مسار النظم الغذائية: الإبداع الطهوي من وادي الأردن

مسار النظم الغذائية: الإبداع الطهوي من وادي الأردن

جمعت الحوارية عدداً من الممارسين وممثلي المجتمع المحلي لمناقشة كيفية إعادة تصور السياحة والزراعة في الأغوار الأردنية كمسارات تعزز الصمود والإبداع والتنمية المستدامة. أكدت النقاشات على أهمية الموازنة بين ركائز الاستدامة الثلاث: النمو الاقتصادي، والحماية البيئية، والديناميكيات الاجتماعية والثقافية. أشير إلى أن الابتكار في السياحة لا يمكن أن يتحقق من خلال التجارب المتكررة أو العامة مثل جولات الطعام التقليدية، التي تعكس الطابع المحلي لكنها تفتقر إلى الأصالة. تكمن الفرصة الحقيقية في بناء تجارب مجتمعية غامرة تحتفي بالثقافة والهوية. من الأمثلة الواعدة بيت الشونة الذي يروج للزراعة الدائمة والنظم الغذائية المحلية، ومطبخ الصافي، وهو مبادرة نسائية في غور الصافي مشهورة بالبندورة والصباغة اليدوية للأقمشة، لكنها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالظهور والتسويق والتوسع. كما اعتُبرت الممارسات الصغيرة مثل صبغ الأقمشة أو تنظيم مسابقات زهور الكوسا دليلاً إضافياً على البراعة غير المستغلة داخل المجتمع. كما وتمت الإشارة أيضاً إلى مبادرة همة ولمّة في غور فيفا بوصفها جهداً يقوده الشباب، جمع على مدى أربع سنوات بين التوعية البيئية والفوائد الاقتصادية، مما يثبت أن الأجيال الجديدة قادرة على قيادة التحول عند حصولها على الدعم المناسب.

شددت الحوارية على أهمية دمج الزراعة في نماذج السياحة المستدامة. وأكد المشاركون على غياب المساحات العامة للترفيه والحاجة إلى تطوير تجارب جديدة تعتمد على الموارد الطبيعية والأصول الثقافية، بما يعود بالفائدة على السكان والزوار على حد سواء. وتمت الإشارة إلى أن النساء والشباب يمثلون موارد حيوية لكنها غير مستغلة بالقدر الكافي، ولديهم القدرة على إعادة تشكيل مسار التنمية في الأغوار إذا توفرت لهم المهارات والأدوات والاعتراف اللازم. الحاجة إلى توسيع السياحة الطهوية حيث أن الزوار غالباً ما يتم توجيههم إلى وجهات مألوفة مثل البحر الميت والبتراء والعقبة، بينما تبقى مواقع أخرى أقل شهرة. هذا الغياب في الظهور يعكس فجوة في التسويق وإمكانات غير مستغلة. ويُعد مشروع ثقافات مثالاً على كيفية سد هذه الفجوة، إذ وفر فرص تسويق وزيارات لـ 39 موقعاً في مختلف أنحاء البلاد، مسجلاً أكثر من 11,000 زيارة ومسهماً في التوظيف والنمو الاقتصادي. ورغم التأكيد على تقاليد الأردن الراسخة في الضيافة وجودة الطعام، إلا أن العوائق الثقافية ما تزال تحد من قدرة النساء على العمل علناً في المهن المرتبطة بالسياحة، خاصة في الفنادق والمطاعم.

طُرحت رؤية نقدية للاعتقاد بأن السياحة مستدامة بطبيعتها. العوامل الخارجية مثل عدم الاستقرار السياسي والأزمات الاقتصادية تقوض هذا القطاع، في حين أن تراجع الصادرات يدفع العديد من المزارعين للانخراط في السياحة بدافع الضرورة أكثر من كونها فرصة حقيقية. الأردن، الذي كان يُعرف بـ “سلة غذاء العالم”، يواجه الآن مشكلات تدهور التربة والاعتماد على المواد الكيميائية والإضافات الصناعية. ودُعي إلى إحياء الممارسات الأصلية والمعرفة التقليدية لاستعادة خصوبة التربة وضمان إنتاج غذاء نظيف وصحي. تكررت خلال النقاش عدة محاور رئيسية:

  • يجب أن يكون الابتكار السياحي متجذراً في الأصالة والارتباط بالمجتمع.
  • يمثل دمج الزراعة بالسياحة وسيلة لمواجهة التراجع الاقتصادي والضغوط البيئية.
  • النساء والشباب فاعلون غير مستغلين لكنهم يمتلكون القدرة على التحول.
  • مبادرات مثل بيت الشونة ومطبخ الصافي وهمة ولمّة تعكس الإبداع والمرونة، لكنها بحاجة إلى دعم في التسويق والبنية التحتية وتطوير القدرات.
  • إحياء الممارسات التقليدية واعتماد أساليب صديقة للبيئة يعدان أساساً للاستدامة طويلة المدى.

الإمكانات والأصالة في وادي الأردن

أهمية الإلتزام الجماعي بالعمل من أجل تعزيز السياحة المستدامة والنظم الغذائية في منطقة وادي الأردن، من خلال جهود يقودها المجتمع المحلي. وشُدد على أهمية الاستثمار في المبادرات المحلية، ومعالجة الحواجز الثقافية، وتوفير التدريب والمنصات للشباب والنساء. كما و وُصفت الأغوار بأنها منطقة غنية بالفرص والأصالة لكنها ما تزال غير مستغلة بالشكل الكافي. فهي تملك أراضي خصبة وتقاليد ثقافية وتراثاً طهوياً يشكل جميعها أساساً لتجارب سياحية إبداعية تجمع بين المشي في الطبيعة، والطعام، والتراث. الأطباق التقليدية مثل قلاية البندورة، جرس، خبّيزة، فرفحينة، كبسة باللبن، حويرنة، فول بالبندورة، ملوخية، جز ماز، فول بالبيض، وعدس بالملوخية الناشفة عُرّفت كعلامات ثقافية تحفظ ذاكرة المجتمع والهوية. ويمكن أن تشكل هذه الأطعمة أساساً لتجارب سياحية طهوية مبتكرة تجذب الزوار وتضمن الحفاظ على التراث.

أيضا، سلطت الحوارية الضوء على العوائق التي تواجه النساء والشباب إلى جانب إمكاناتهم التحويلية. عُرضت قصص نجاح كسرت الأعراف التقليدية وأظهرت أهمية التوجيه والدعم الأسري، إلى جانب دور التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي في توثيق النجاحات وإلهام الآخرين. كما طُرحت الحاجة لمعالجة فجوات المعرفة وتقديم تدريبات عملية في الاتصال وصنع القرار لتعزيز المشاركة والقدرة على الصمود. كما أن التوترات السياسية قللت من تدفقات السياح وأضعفت الصناعات الإبداعية. فقد انخفضت المداخيل اليومية بشكل ملحوظ مقارنة بالماضي. وسعت منظمات مثل تطوير الإعمار إلى تبني “خطة بديلة” من خلال تطوير إنتاج الغذاء للتصدير كمصدر بديل للدخل. كذلك أثيرت قضايا تتعلق بالتقليل من قيمة التراث الأردني أو تمثيله بصورة خاطئة. و اعتُبر السرد القصصي أداة أساسية لاستعادة الهوية الثقافية وتعزيزها عبر روايات صادقة تتضمن النجاحات والإخفاقات على حد سواء.

شارك الشباب شغفهم بالطهي وتقديم الطعام، لكنهم أبدوا إحباطهم من غياب الحوافز وصعوبة النقل العام، ما يحول دون وصولهم لفرص العمل. كما لوحظ ابتعاد الجيل الجديد عن المأكولات التقليدية، مما يعزز أهمية السرد القصصي في الحفاظ على التراث الطهوي ونقله. وتمت الإشارة إلى الحاجة لمنصات أقوى لدعم الصناعات الثقافية والإبداعية. وذُكر مشروع بيت الخروب كمثال، حيث يجمع بين مطعم ومنصة لسلاسل التوريد، رابطاً المجتمعات المحلية غير المعروفة بالأسواق الأكبر، ومبيناً كيف يمكن تحويل الإبداع المحلي إلى فرص اقتصادية قابلة للاستمرار. أكدت الحوارية أن الإبداع قادر على أن يكون محركاً للنمو الاقتصادي في وادي الأردن، عبر:

  • توسيع برامج التدريب والتوعية لدعم رواد الأعمال المحليين.
  • تعزيز الابتكار الطهوي مثل إعادة توظيف الخروب في وصفات جديدة (مثلجات، أطباق مستوحاة من التراث).
  • دعم المبادرات العائلية مثل أكشاك الزرب التقليدية بالتمويل والتسويق.
  • تشجيع التعاون والإرشاد لضمان نجاح طويل الأمد.

وادي الأردن يمتلك إمكانات هائلة غير مستغلة في السياحة والتراث الطهوي والمشاركة المجتمعية. ويتطلب إطلاق هذه الإمكانات استراتيجيات يقودها المجتمع تركز على التمكين والأصالة والتعاون. برز السرد القصصي كأداة قوية للحفاظ على التراث وتعزيز ارتباط الزوار بالمكان، فيما يُعد الابتكار الطهوي والتعاون بين المجتمعات مسارين رئيسيين نحو الصمود الاقتصادي والنمو الشامل. ومن أبرز النقاط: 

  • تمتلك الأغوار ثروة طبيعية وثقافية وطهوية ضخمة غير مستثمرة بشكل كافٍ.
  • الأطعمة التقليدية يمكن أن تكون محوراً لتجارب سياحية أصيلة وغامرة.
  • التحديات المستمرة تشمل البطالة، وعدم الاستقرار السياسي، والحواجز الجندرية، وفجوات المعرفة.
  • النساء والشباب فاعلون رئيسيون للتحول إذا أُشركوا في القيادة والتسويق وصنع القرار.
  • السرد القصصي والمنصات الرقمية أدوات محورية لتعزيز الهوية الثقافية.
  • الابتكار الطهوي ومبادرات مثل بيت الخروب وبيت الشونة ومطبخ الصافي وهمة ولمّة توضح كيف يمكن للإبداع تنويع الفرص.
  • التعاون المجتمعي والاستثمار في البنية التحتية ضروريان لتوسيع الأثر وبناء اقتصاد محلي أقوى وأكثر صموداً.

سهى عياش