استكشاف دور الصناعات الإبداعية والثقافية في رؤية التحديث الاقتصادي وإمكاناتها للعمل كمحرك للنمو الاقتصادي من أجل التنمية المحلية في الأغوار الأردنية – وادي الأردن. من أجل تسليط الضوء على الفرص والتحديات في تمكين وتعزيز النمو الاجتماعي الاقتصادي في منطقة وادي الأردن من خلال تدخلات تركز على الصناعات الإبداعية والثقافية، والتي يتم الاعتراف بها كأحد الركائز الرئيسية في رؤية التحديث الاقتصادي كمحرك اقتصادي. تشير البيانات المتاحة حول الصناعات الإبداعية والثقافية في الأردن إلى قطاع له حضور ملموس لكنه محدود النطاق. فقدرت دراسة عام 2018 استنادا إلى المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن الصناعات الإبداعية وحقوق النشر ساهمت بحوالي 2.36% من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن الأرقام الأحدث تشير إلى أداء أضعف على المستوى الدولي؛ ففي عام 2020 مثلت صادرات الصناعات الإبداعية 0.26% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مع هيمنة واضحة لسلع التصميم مثل العمارة والمجوهرات والأزياء بنسبة تقارب 77% من قيمة الصادرات.
هذا يتناقض مع دول استثمرت بشكل استراتيجي في اقتصاداتها الإبداعية. ففي كوريا الجنوبية، تولد صادرات الثقافة مثل الكي بوب والدراما التلفزيونية مليارات سنويا، مدعومة بتوجه سياسي واضح، وترويج دولي، واستثمارات خاصة قوية. كما عززت تركيا أيضا مساهمة الصناعات الإبداعية، التي تقدر بحوالي 2% من الناتج المحلي الإجمالي، من خلال دمجها بشكل أكثر تنظيما في التخطيط الوطني للتنمية. في الأردن، تكمن الفجوة ليس فقط في الأرقام بل في الأنظمة. القطاع لا يزال مجزأ، يعاني من ضعف التمويل، وقلة الارتباط بالأسواق التصديرية. وتشير التقارير إلى غياب جهة مؤسسية متخصصة ذات إشراف كامل، وضعف التنسيق بين الوزارات، ومحدودية الوصول إلى التدريب والتمويل وقنوات التسويق. هناك حاجة عاجلة للانتقال من الاعتراف إلى العمل: بناء مؤسسات متماسكة، وآليات تمويل، ومسارات دولية لإطلاق الإمكانات الإبداعية والثقافية في الأردن.
الصناعات الإبداعية والثقافية ضرورة للتنمية الاجتماعية الاقتصادية. فهي تولد سبل عيش، وتحفز النمو، وفي الوقت نفسه تحافظ على التراث وتغنيه. إن الاستثمار في الإبداع والثقافة يحمي الذاكرة بينما يصنع المستقبل. وبالاستناد إلى تأملات ابن خلدون في دورات حياة المدن والمجتمعات، يمكن النظر إلى الصناعات الإبداعية والثقافية كأنظمة حية تتكيف وتتحول وتعيد تجذرها في سياقات جديدة. الخبز مثال يوضح هذه الدورة: كان في السابق مركزيا في المنازل، ثم تحول إلى صناعة، ثم أعيد إحياؤه خلال جائحة كوفيد-19 كممارسة مجتمعية. السرد القصصي يضمن ألا تضيع مثل هذه التقاليد بل يعاد تفسيرها وتضمينها ضمن الصناعات الإبداعية والثقافية الحديثة. تتحول المجتمعات من كونها مستهلكة إلى أن تصبح منتجة للمعنى والقيمة.
الجداريات والزخارف التصميمية يمكن أن تضع حتى المدن الصغيرة أو المهمشة على الخريطة السياحية والثقافية. تجربة الرسم الجداري في حي الزغاتيت في منطقة الهاشمي الشمالي في عمان، توضح كيف يمكن للرموز المحلية أن تتحول إلى أصول ثقافية واقتصادية بينما تعزز الانتماء. وتبرز الدروس الدولية هذا الإمكان: متحف غوغنهايم في بلباو أعاد تموضع مدينة صناعية كمركز ثقافي عالمي. وفي ميدلين بكولومبيا، حولت الفنون العامة والمكتبات والتدخلات الإبداعية مناطق كانت مرتبطة بالعنف إلى مساحات للفخر والفرص. هذه الأمثلة تبرز أن الصناعات الإبداعية والثقافية قادرة على إعادة تجذير المجتمعات وإعادة تموضع المدن بأكملها. بناء منظومة مستدامة يتطلب شراكة بين الفاعلين المحليين، والمستثمرين، والمجتمعات.
الأغوار الأردنية ليست مكانا للندرة بل فضاء للإمكانات. فهي منطقة غنية بالموارد والتقاليد والمواهب، لكن إمكاناتها ما زالت غير مستغلة. الزراعة ما زالت النشاط المهيمن، لكن الشباب غير متأكدين من كيفية الاستثمار في قطاعات أخرى غير الزراعة، رغم أنهم قادرون ومتحمسون للتعلم. كثير منهم بالفعل يعملون في الخياطة والحرف اليدوية وغيرها من الصناعات الصغيرة، لكن هذه الجهود لا تحظى بالاعتراف أو الدعم. إضافة إلى ذلك، تدني الأجور مشكلة مقلقة، حيث يعمل الشباب لساعات طويلة مقابل دخول لا تعكس مهاراتهم، مما يدفع الكثيرين إلى مغادرة الأغوار نحو عمان بحثا عن فرص أفضل. النساء يواجهن قيودا أكبر، حيث يقضين أياما طويلة في العمل الزراعي أو المنزلي، مما يترك لهن وقتا قليلا لاكتشاف مواهبهن أو متابعة مصادر رزق جديدة. هذه ليست مشكلة في الناس، بل في الأنظمة التي تقلل من قيمة مساهماتهم وتفشل في خلق مسارات اقتصادية متنوعة.
الزراعة نفسها تواجه ضغوطا متزايدة. التغير المناخي، وشح المياه، والاستخدام غير المستدام للمبيدات كلها عوامل أضعفت الإنتاج. وارتفاع درجات الحرارة وتراجع مستويات البحر الميت تمثل إشارات بيئية مقلقة. هذه التحديات تكشف حدود الاعتماد على الزراعة وحدها وتؤكد الحاجة الماسة للتنويع. الأغوار أيضا فضاء ثقافي وسياحي. قربها من البحر الميت، الذي يعد بالفعل وجهة سياحية رئيسية، وتقاليدها الفريدة ومواردها الطبيعية يمكن أن يجعلها نموذجا للتنمية المتكاملة إذا تم الاعتراف بها وتطويرها بالشكل المناسب. للمضي قدما، يجب التعامل مع الأغوار كمنظومة حية. الاستثمار في الابتكار، والصناعات الإبداعية والثقافية، والسياحة المستدامة يمكن أن يخلق فرصا للشباب للبقاء والازدهار وبناء مستقبل متجذر في مجتمعاتهم. التحدي ليس في غياب الثروة، بل في غياب الاعتراف. ومع الخيال والالتزام، يمكن للأغوار أن تصبح مركزا يجمع بين التنمية الاقتصادية والحيوية الثقافية والاستدامة البيئية.
سهى عياش