الإطار المفاهيمي واللغة المشتركة
تُخصَّص الجلسة الأولى لتأطير أرضية المجتمع والاتفاق على إطارٍ مفاهيميٍّ جامع يُشكّل مرجعيّة مشتركة للعمل والتعلّم. يهدف هذا التأطير إلى بناء لغة مشتركة تُساعد على تقليل الإلتباس، وتعزيز الفهم المتبادل، وتمكين النقاش المنتج بين الفاعلين على اختلاف خلفيّاتهم وتجاربهم. يسعى هذا الإطار المفاهيمي إلى توضيح المفاهيم الأساسيّة، وتحديد معانيها كما تُفهم وتُمارَس في السياق المحلي، بما يفتح المجال أمام تقاطعات واعية، ويُسهم في تنظيم الحوار، وتوجيه العمل المشترك. من خلال هذا الإتفاق الأوّلي، تُوضَع أرضيّة تسمح بتطوّر النقاشات اللاحقة، وبناء معرفة تراكميّة تُعزّز الإنسجام، دون أن تُقيّد الاختلاف أو تُلغيه.
يُعاد اليوم التفكير في قضايا التشغيل، والاقتصاد الاجتماعي، والريادة ذات البعد الاجتماعي، والصناعات الإبداعيّة والثقافيّة كمجالاتٍ متداخلة، لا يمكن مقاربتها بمعزلٍ عن بعضها البعض. التجربة العمليّة في الأردن تُظهر أنّ هذه المحاور تلتقي فعليًّا في مساحات العمل اليومي، حيث تُختبَر مفاهيم الفرص، والقيمة، والاستدامة، والتعاون خارج الأطر التقليديّة للتشغيل أو الريادة أو الإنتاج الثقافي والإبداعي. انطلاقًا من هذا الواقع، يبرز سؤالٌ محوريٌّ ومؤسِّس لنموذج التعلّم الوطني المنشود: هل تُشكّل هذه المحاور الأربعة، مجتمعةً، مساحةً قابلةً للتعلّم المشترك والعمل التعاوني، يمكن من خلالها إنتاج معرفةٍ متجذّرة في السياق الأردني؟ أم أنّها تبقى مجرّد عناوين متجاورة تفتقر إلى إطارٍ تعلّميٍّ جامع؟
هذا السؤال يسعى إلى فتح مجال للتفكير، وللتعلّم من التجربة، ولتفكيك الممارسات القائمة كمادّةً معرفيّة يمكن البناء عليها في صياغة نموذج تعلّم وطني ينبع من الواقع، ويُطوَّر عبر الحوار والممارسة الجماعيّة. تنطلق هذه المبادرة من الإيمان بضرورة بناء مساحة جامعة تضمّ جميع الفاعلين، تقوم على التضامن كممارسةً يوميّة وعلى الاحترام المتبادل والتعاون الحقيقي، ضمن منظومة قِيَميّة واضحة تُعلي من شأن التسامح، والدعم، وعدم الإقصاء أو الإضعاف المتبادل. هذه المساحة لا تفترض التماثل، بل تحتضن التنوّع والاختلاف على أنهما مصدر قوّة، شرط أن يُدارا ضمن إطار من الاحترام والمسؤوليّة المشتركة.
إنّ الحاجة اليوم إلى العمل معًا، وإلى إعادة وضع الأساس الصحيح الذي تآكل أو غاب فعليًّا في الممارسة. وهذا يتطلّب التعامل مع جميع الأطراف كشركاء محتملين في هذه المنظومة -وليس خصومًا أو أعداء- وإتاحة دورٍ فاعل لكل جهة، مهما اختلف موقعها أو مقاربتها. غياب ثقافة التعاون والتكافل بين الفاعلين قد يكون واقع مرحلي يمكن تغييره عبر التعلّم المشترك وبناء الثقة. لقد أعاد العدوان المستمر على غزّة منذ السابع من أكتوبر 2023، تسليط الضوء على حتميّة هذا المسار، وكشف بوضوح أنّ التشتّت لم يعد خيارًا، وأنّ العمل الفردي أو المنعزل لم يعد كافيًا في مواجهة التحدّيات المركّبة. فنحن، كمجتمع وكمؤسّسات ومبادرات مختلفة، نجد أنفسنا جميعًا نجدّف في الاتجاه ذاته، وإن اختلفت مواقعنا وأدوارنا. ومن هنا، تصبح الحاجة إلى التعاون، والتكافل، والدعم المتبادل ليست خيارًا أخلاقيًّا فحسب، بل شرطًا أساسيًّا لبناء نموذج تعلّم وطني قادر على الصمود والاستمرار.
على الرغم من الحضور الواسع لبعض الجهات والمنظّمات الفاعلة وتأثيرها الكبير في المشهد العام، يلاحظ غياب أو ضعف إدماج مفهوم الاقتصاد الاجتماعي ضمن أجندات عملها ومقارباتها التنفيذيّة. لا يعود هذا الغياب بالضرورة إلى رفضٍ صريح، بل غالبًا إلى عدم اعتبار الاقتصاد الاجتماعي أولوية، أو إلى التعامل معه بشكل هامشي أو ثانويّ مقارنةً بنماذج اقتصاديّة أخرى أكثر شيوعًا أو اعترافًا. يؤدّي هذا الغياب إلى فجوة في المقاربة، حيث تُفصل قضايا التشغيل، والاستدامة، والتنمية المحليّة عن منطق التضامن، والعمل التعاوني، والقيمة الاجتماعيّة. كما يحدّ من إمكانيّة بناء مسارات أكثر شمولًا، تستفيد من التجارب القائمة، وتُعزّز التكامل بين الفاعلين بدل إعادة إنتاج العمل المجزّأ. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة إدراج الاقتصاد الاجتماعي ضمن النقاش العام كإطار عملي قادر على إثراء السياسات، وتوسيع أدوات التدخّل، وخلق بدائل أكثر ارتباطًا بالواقع الاجتماعي والاقتصادي المحلي.
تتولد الرغبة في اعتماد مصطلح “مجتمع تعلّم” من قناعة بأنّ ما نسعى إليه يتجاوز تنظيم لقاءات أو إنتاج مخرجات منفصلة. نحن معنيّون، في هذا المسار، بالتعلّم معًا بقدر ما نحن معنيّون بما نصل إليه في نهايته. التعلّم هنا هو جوهر الطريق نفسه وليس مرحلة تسبق العمل ولا نشاطًا مكمّلًا له. يعكس مصطلح “مجتمع تعلّم” التزامًا بالسير المشترك، وباعتبار هذا المسار رحلة جماعيّة تتشكّل عبر الحوار، والتجربة، والمراجعة المستمرّة. في هذه الرحلة، لا يُفترَض أن يمتلك طرف واحد المعرفة الكاملة، ولا أن تكون الوجهة واضحة منذ البداية، بل تُبنى الفهمات تدريجيًّا، وتُختبَر الفرضيّات في الممارسة، وتُعاد صياغة الأسئلة كلّما تقدّمنا خطوة إلى الأمام. كما يؤكّد هذا المفهوم على أنّ القيمة لا تكمن فقط في النتائج النهائيّة، بل في عمليّة التعلّم نفسها؛ في بناء الثقة، وتبادل الخبرات، والقدرة على الإصغاء للاختلاف، وتحويل التجربة المشتركة إلى معرفة قابلة للتشارك والتراكم. من هنا، يصبح “مجتمع التعلّم” إطارًا يسمح بالتحرّك معًا، والتعلّم من الطريق.
مساحة وطنيّة جامعة… ضمن إطار قِيَميٍّ واضح
ينطلق هذا المسار، كمساهمة في صياغة نموذج تعلّم وطني أردني، من الإيمان بضرورة بناء مساحة جامعة تتّسع لمختلف الفاعلين في مجالات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والصناعات الإبداعيّة والثقافيّة، والتشغيل، والريادة ذات البعد الاجتماعي. مساحة تُتيح الانخراط والمساهمة دون إقصاء أو تصنيف مُسبق، وتتعامل مع التنوّع في الخبرات، و المواقع، والأدوار، والمقاربات كركيزة أساسيّة لإنتاج معرفة متجذّرة في الواقع الأردني.
غير أنّ هذا الشمول لا يُفهم حيادًا فكريًّا أو أخلاقيًّا. النموذج الوطني الذي نسعى إلى الإسهام في بلورته يقوم على حدود قِيَميّة واضحة تُنظّم شكل الانخراط والتعاون، وتُحدّد الإطار الأخلاقي الذي يتحرّك ضمنه هذا المسار. وفي ظلّ التحوّلات السياسيّة والأخلاقيّة العميقة التي يشهدها العالم، ولا سيّما بعد العدوان على غزّة، يصبح من الضروري الاعتراف بأنّ بعض أشكال التعاون أو الشراكة قد تتعارض مع القيم الإنسانيّة الأساسيّة، ما يستدعي مواقف مبدئيّة، قد تشمل وضع حدود واضحة أو اعتماد أشكال من المقاطعة الثقافيّة، حفاظًا على اتّساق النموذج مع مبادئه.
يقوم هذا النموذج، إذًا، على شمولٍ وطنيٍّ مسؤول، يوازن بين الانفتاح على التعدديّة، والالتزام بالقيم، ويُتيح لكلّ فاعل أن يجد موقعه ودوره ضمن المنظومة، وفق قدراته وظروفه وسياقه، دون فرض نمط واحد للمشاركة أو مسار واحد للتعلّم. التعلّم الوطني المنشود لا يسعى إلى توحيد الأصوات، بل إلى تنظيم الاختلاف، وبناء لغة مشتركة، وإنتاج معرفة جماعيّة قادرة على توجيه العمل المشترك، دون التفريط بالمبادئ التي يقوم عليها هذا المسار
منطق التجمّعات وسلاسل القيمة
السعي إلى التكامليّة بدلا عن التنافسية
ينطلق هذا المسار من قناعة أساسيّة مفادها أنّ التنافسيّة، بصيغتها التقليديّة، لم تعد قادرة وحدها على الاستجابة لتعقيد الواقع الاقتصادي والإبداعي الراهن. الحاجة اليوم إلى تحويل منطق التنافس إلى منطق تكاملي يقوم على الاعتراف بالترابط بين الأدوار، وبأنّ القيمة تُنتَج جماعيًّا. من هنا، يبرز مفهوم التجمّعات كإطارًا عمليًّا للعمل المشترك. فالتجمّع لا يقوم على التشابه، بل على الترابط؛ حيث يجمع فاعلين مختلفين حول منتجٍ واحد أو حلقة قيمة مشتركة. في هذا السياق، لا يعمل كل فاعل على كامل سلسلة القيمة، بل يساهم كلٌّ منهم في جزئيّة أو أكثر منها، وفق خبرته ودوره وقدرته. وقد يكون الفاعل حاضرًا في أكثر من محطة في الوقت ذاته، بما يعكس طبيعة العمل الإبداعي والاجتماعي المركّبة.
إنّ النموّ في هذا السياق لا يتحقّق عبر التوسّع الفردي فقط، بل يتطلّب بالضرورة التقاطع والتعاون مع فاعلين آخرين، سواء كانوا أفرادًا، أو مبادرات، أو مؤسّسات. كلّما اتّسعت الرغبة في التوسّع والاستدامة، ازدادت الحاجة إلى بناء علاقات تكامليّة تُعيد توزيع الأدوار داخل سلسلة القيمة بدل مضاعفة الجهود أو استنزافها. من هنا، تتجلّى الحاجة إلى نموذج تعلّمي وتنظيمي يُعيد ترتيب هذه العلاقات لتوضيح مواقع التقاطع، ومساحات التعاون، وآليّات الانتقال من العمل الفردي إلى العمل ضمن تجمّعات قادرة على إنتاج قيمة اقتصاديّة واجتماعيّة مستدامة. يُشكّل هذا النموذج أحد الأسس الضروريّة لبناء مقاربة وطنيّة للتعلّم، تنبثق من الواقع وتُطوَّر عبر الممارسة المشتركة.
الهدف المشترك والوجهة النهائية
ينبثق هذا المسار من الحاجة إلى تحديد هدفٍ مشترك يُشكّل بوصلةً للعمل، ويُوضّح الوجهة التي نسعى للوصول إليها جماعيًّا. غياب هذا الهدف يُبقي الجهود مبعثرة، ويجعل التعاون ممكنًا شكليًّا دون أن يتحوّل إلى أثرٍ فعليّ. من هنا، لا يُطرَح سؤال إلى أين نذهب؟ كضرورة عمليّة تُساعد الفاعلين على فهم موقعهم، ودورهم، وعلاقتهم بالآخرين ضمن الصورة الأوسع. يتمثّل الهدف المشترك في بناء منظومة تعلّم وعمل تكامليّة، تُحوِّل التنوّع القائم بين الفاعلين إلى مصدر قوّة، وتُعيد ترتيب العلاقات بينهم على أساس التعاون والتكامل (وليس التنافس والتكرار). تسعى هذه المنظومة إلى تمكين الجميع من العمل ضمن أُطر مشتركة تُنتج قيمة اقتصاديّة واجتماعيّة مستدامة، وتفتح المجال أمام فرص عمل أكثر كرامة، ومبادرات أكثر قدرة على الاستمرار والنمو. وعلى المدى الأبعد، نطمح إلى الإسهام في صياغة نموذج تعلّم وطني أردني، يُنظّم التعلّم من التجربة، ويُرسّخ ثقافة الشراكة، ويُساعد على الانتقال من الجهود الفرديّة المتفرّقة إلى فعلٍ جماعيٍّ واعٍ بالاتجاه، واضح بالغاية، وقادر على الصمود في مواجهة التحوّلات والأزمات.
في المرحلة الأولى، ننطلق من التزامٍ واضح ومشترك يتمثّل في إنتاج ورقة معرفة تُوثّق النقاشات، وتلتقط الدروس المستخلصة من التجربة، وتُحوّل الحوار إلى مادّة تعلّميّة قابلة للبناء والتراكم. تشكّل هذه الورقة نقطة انطلاق عمليّة، وليست غاية بحدّ ذاتها، إذ تُستخدم كأداة لفهم الواقع، وتنظيم الأسئلة، وبلورة الاتجاهات الناشئة. أمّا على المدى الأبعد، يتجاوز الطموح حدود إنتاج المعرفة المكتوبة، ليصل إلى التأثير في البيئة العامّة المحيطة بقطاع الصناعات الثقافيّة والإبداعيّة. فقد يُسهم هذا المسار، تدريجيًّا، في إثراء النقاش على المستوى الكلي، وفتح المجال أمام التفكير في سياسات داعمة، ولا سيّما تلك التي تُخاطب الشباب الصاعدين والمبتدئين في هذا القطاع، وتُعزّز فرصهم في الدخول إليه، والاستمرار فيه، وبناء مسارات مهنيّة مستدامة داخله. في هذا الإطار، تُقارب الثقافة باعتبارها رافعةً للتنمية ومصدرًا محتملًا للدخل الكريم، وقيمةً اجتماعيّة واقتصاديّة تستحقّ الاستثمار والحماية. من هنا، يُفهم إنتاج ورقة المعرفة كخطوة تأسيسيّة ضمن مسار أطول، يسعى إلى خلق شروط أفضل لازدهار الثقافة، وتعزيز حضورها في السياسات، وفي أنماط العمل، وفي الاقتصاد الأوسع.
الحاجة في هذه المرحلة إلى تثبيت الوجهة التي نتّجه إليها، وإلى توضيح الكيفيّة التي ستتشكّل بها التقاطعات بين الفاعلين، بما يُحوّل الرغبة في العمل المشترك إلى مسارٍ واضح المعالم. غياب الاتجاه المشترك يُبقي التقاطعات عفويّة ومؤقّتة، ويجعل التعاون رهين المبادرات الفرديّة بدل أن يكون جزءًا من بنية واعية. يُشكّل الوصول إلى فهمٍ مشترك للصناعات الثقافيّة والإبداعيّة نقطة انطلاق أساسيّة لهذا المسار، إذ يتيح هذا الفهم بناء لغة واحدة ننطلق منها، وتحديد حدود المجال واتساعه، بما يسمح بربطها بمحاور أخرى تُنظّم عمل المجموعة، مثل التشغيل، والاقتصاد الاجتماعي، والريادة ذات البعد الاجتماعي. هذه المحاور تُستخدم كعدسات تُساعد على قراءة الواقع، وتنظيم الأدوار، وتوضيح مساحات التقاطع الممكنة. إلى جانب ذلك، لا يمكن لهذا المسار أن يتقدّم دون أرضيّة قِيَميّة مشتركة تُنظّم العلاقة بين الفاعلين، وتُشكّل مرجعيّة للتعاون، وإدارة الاختلاف، وبناء الثقة. تشكل القيم المشتركة شرطًا عمليًّا لتمكين التعلّم المشترك، وضمان استمراريّة العمل ضمن هذا الإطار التكاملي.
إنّ تحديد إلى أين نريد أن نصل مسألة أساسيّة، غير أنّ كيف نصل لا يقلّ أهميّة عنها، بل قد يكون أكثر حساسيّة في هذا الطرح. المسار الذي يُبنى دون وعي بالقيم، أو الذي يُقايضها بالنتائج السريعة، يُنتج أثرًا هشًّا مهما بدا ناجحًا في الظاهر. ينطلق هذا المسار من السعي إلى بناء اقتصاد يُنتج قيمة وليس قيمة نقديّة فحسب، بل قيمة اجتماعيّة في المقام الأوّل. القيمة الاجتماعيّة هي جوهر هذا الطرح والإطار الذي تُقاس من خلاله جدوى العمل وجدواه على المدى الطويل. في هذا السياق، يصبح العمل ضمن منظومة قِيَميّة واضحة، تقوم على المنفعة العامّة والالتزام الأخلاقي، شرطًا أساسيًّا لأيّ نشاط اقتصادي أو إبداعي.
أمّا التشغيل، فيُفهم هنا على أنه تحصيلًا حاصلًا لمسارٍ متماسك وليس هدفًا معزولًا يُلاحَق بذاته. عندما تُبنى المبادرات على قيمة حقيقيّة، وتُدار بعلاقات تكامليّة، وتتحرّك ضمن بيئة تعلّم مشتركة، تتولّد فرص العمل والتشغيل بصورة طبيعيّة، أكثر استدامة، وأقلّ هشاشة. في الوقت ذاته، لا يغفل هذا الطرح عن واقع الضغوط الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تؤثّر على الأفراد والجهات، وتحدّ من قدرتهم على المخاطرة أو الاستمرار. من هنا، تأتي الحاجة إلى مسارٍ واعٍ بهذه الضغوط، لا يُنكرها ولا يتجاهلها، بل يسعى إلى التعامل معها عبر التعاون، والتكافل، وبناء نماذج عمل تُخفّف من حدّتها بدل أن تُضاعفها.
القلق المشروع: إلى أين نمضي؟ وكيف يمكن لهذا الشكل أن يعيش؟
يبرز في هذا المسار قلقٌ مشروع يتعلّق بسؤال إلى أين نمضي؟، ولا سيّما أنّ الحديث عن تجمّع أو مساحة مشتركة يفتح تلقائيًّا سلسلة من الأسئلة العمليّة: هل نحن أمام شبكة؟ أم شراكات؟ أم كيان له شكل تنظيمي؟ وكيف يمكن لهذا “الشكل” أن يعيش ويستمرّ دون أن يفقد روحه أو يتحوّل إلى بنية جامدة؟. هذا القلق ينظر إليه كإشارة وعي مبكّرة إلى خطورة الانزلاق نحو حلول جاهزة. التجربة تُظهر أنّ استعارة نماذج تنظيميّة جاهزة (نجحت في سياقات أخرى أو حازت على اعتراف رسمي)، لا تضمن النجاح، بل قد تُفرغ المبادرة من معناها حين تُفرَض عليها قوالب لا تنتمي إلى واقعها. لذلك، فإنّ اعتماد شكل مُسبق الصنع، أو “لبس” نموذج جاهز بحجّة الفاعليّة أو القبول الرسمي، يُعدّ خيارًا غير مقبول ضمن هذا الطرح.
ينطلق هذا المسار من قناعة بأنّ النماذج التي نعمل ضمنها يجب أن تُصمَّم وليس أن تُستنسَخ، وأن تكون أصيلة، متجذّرة في مجتمعاتها المحليّة، وقادرة على التفاعل مع شروطها الحقيقيّة. وهذا يعني أنّ الوصول إلى شكل تنظيمي(إن لزم الأمر) هو نتيجة لمسار تعلّم وتجربة وليس نقطة انطلاق، وأنّ التسجيل أو الهيكلة، إن حصلت، يجب أن تخدم الفكرة لا أن تُعيد تشكيلها وفق قوالب خارجيّة. في هذا السياق، تكتسب الصناعات الثقافيّة والإبداعيّة أهميّة خاصّة على أنها مجالًا واسعًا وشاملًا يضمّ أنماطًا متنوّعة من الإنتاج، والعمل، والتعبير، وسلاسل القيمة. والنظر إلى هذا القطاع بهذه الشموليّة يفتح المجال أمام نماذج جديدة للتجمّع والعمل المشترك، تتجاوز التصنيفات التقليديّة، وتسمح بتشكّل كيان حيّ قادر على التكيّف والنموّ ضمن واقعه.
طُرحت جُمَل كثيرة، وتكاثرت أسئلة مهمّة، بعضها متعلّق بالاتجاه، وبعضها بالشكل، وبعضها بكيفيّة العيش والاستمرار. هذا التراكم يُنظر إليه كمؤشّرًا على جدّيّة البحث، وعلى أنّنا نتعامل مع واقعٍ معقّد لا يحتمل إجابات سريعة أو صِيَغًا جاهزة. إنّ كثافة الأسئلة المطروحة (حول طبيعة التجمّع، وشكل الشراكات، وآليّات العمل، والقيم، واللغة المشتركة) تعكس حاجة حقيقيّة إلى التوقّف، والتفكير، وعدم القفز إلى حلول مُسبقة. طرح الأسئلة في هذه المرحلة هو جزء أساسي من عمليّة التعلّم نفسها، وخطوة ضروريّة لتجنّب إعادة إنتاج نماذج لا تشبهنا ولا تنتمي إلى سياقنا. من هنا، يسعى هذا المسار إلى احتضان الأسئلة وتنظيمها، وتحويلها تدريجيًّا إلى بوصلة تُوجّه العمل، وتُساعد على بلورة لغة مشتركة، وتقاطعات حقيقيّة، وشراكات نابعة من الواقع. ويبدأ التعلّم هنا من الإعتراف بأنّ الأسئلة المطروحة هي مادّتنا الأساسيّة، و منها فقط يمكن أن يتشكّل مسارٌ أصيل وقابل للحياة.
الأرضيّة القِيَميّة للعمل المشترك
لا يمكن بناء مساحةٍ فعليّةٍ للعمل المشترك دون أرضيّة قِيَميّة واضحة تُشكّل الإطار الناظم للتفاعل بين الفاعلين، وتوجّه طبيعة العلاقات، وآليّات العمل، وكيفيّة اتخاذ القرار. ومن هنا، يبرز سؤالٌ تأسيسيّ لا يقلّ أهميّة عن الأسئلة المتعلّقة بالهياكل أو البرامج: ما هي القيم التي نختار أن نعمل في ظلّها معًا؟ تُطرَح هذه القيم كالتزامٍ عمليّ يُختبَر في الممارسة اليوميّة، وفي لحظات الاختلاف، والتوتّر، والتحدّي.
تنطلق هذه الأرضيّة من التسامح كقدرةً واعية على تقبّل الاختلاف، وإدارة التنوّع، والاعتراف بشرعيّة تعدّد المقاربات داخل المنظومة الواحدة، دون أن يعني ذلك التنازل عن المواقف أو تمييعها. فالتسامح هنا هو الامتناع عن الإقصاء، وعن تحويل الخلاف إلى قطيعة أو صراع. ويُكمّل ذلك الاحترام المتبادل باعتباره شرطًا لأيّ تعاونٍ منتج، والتعاون هو ممارسةً واعية تتجاوز العمل المتوازي إلى الشراكة الحقيقيّة، والدعم المتبادل الذي يُعزّز القدرة الجماعيّة على الاستمرار بدل استنزاف الجهود الفرديّة. كما تقوم هذه المنظومة على مبدأ عدم الإضرار، أي الامتناع عن التقليل من شأن الآخرين، أو تكسير الثقة، أو إضعاف المبادرات القائمة، وعلى الإيمان بأنّ لكلّ فاعل دورًا ممكنًا وضروريًّا ضمن هذه المساحة، دون تصنيفٍ مسبق أو إقصاء.
يقوم هذا المسار كذلك على مجموعة من القيم والمبادئ الناظمة التي تُشكّل الأساس الأخلاقي والعملي للمجتمع، وتمنح العمل المشترك معناه واتّجاهه. وتشمل هذه القيم التضامن كممارسة فعليّة تقوم على الوقوف معًا وتقاسم الأعباء في مواجهة الضغوط والتحدّيات، والتحالف على أنه تعاونًا واعيًا يُبنى حول أهداف وقيم مشتركة لا اصطفافًا مغلقًا، والكرم في المشاركة والتعاطف بما يعنيه من انفتاح على تبادل المعرفة والخبرة والوقت، مقرونًا بحساسيّة إنسانيّة تجاه ظروف الآخرين وحدودهم. كما تستند إلى الواقعيّة والصدق مع الذات في تقييم القدرات والتحدّيات دون تزييف أو مبالغة، وإلى الأصالة والتجذّر عبر العمل انطلاقًا من السياق المحلي واحترام الخبرات المتراكمة، ورفض استنساخ نماذج مفروضة من الخارج.
يتعزّز هذا الإطار القِيَمي من خلال الإيمان بـ الأفقيّة كأساس للعلاقة بين الفاعلين، حيث الجميع في المركب ذاته ويتقاسمون المسؤوليّة والقرار، وبـ التشاركيّة باعتبارها جوهر التفكير والتخطيط والتنفيذ، لا إجراءً شكليًّا. كما يقوم على الصدق المعرفي كالتزامًا بإنتاج معرفة نابعة من التجربة الفعليّة، و الاعتراف بالحدود، وتجنّب الادّعاء أو التزيين. وتكتمل هذه المنظومة بـ تقبّل التنوّع والتعدديّة الثقافيّة والنظر إلى الاختلاف كمصدر غنى، لا تهديدًا، وبـ الشمولية التي تضمن بناء مساحة تتّسع للجميع، وتُتيح إمكانيّة الانخراط والمساهمة دون إقصاء.
يُشكّل التعلّم مدى الحياة إحدى القيم الناظمة لهذا المسار وهو التزامًا مستمرًّا بالتعلّم وإعادة التعلّم ومراجعة الفهم والممارسة في ضوء التجربة والتحوّلات. المعرفة هنا عمليّة ديناميكيّة تتطوّر مع تغيّر الواقع، وتبدّل السياقات، وتراكم الخبرات. ويعني ذلك الانفتاح على النقد، والاستعداد للاعتراف بالحدود، وتقبّل تغيير المواقف والأساليب حين تقتضي الحاجة. وفي إطار مجتمع التعلّم، لا يُختزل التعلّم في التدريب أو نقل المعرفة، بل يتجسّد في التعلّم من التجربة، ومن الآخرين، ومن الخطأ، وفي تحويل الممارسة اليوميّة إلى مادّة للتفكّر والتطوير.
يُنظر إلى النقد والمشاركة في هذا المسار على أنه قيمة وممارسة في آنٍ واحد، لا بهدف المحاسبة أو الإدانة، بل لخلق مساحة آمنة تُمكّن من الخطأ والتعلّم منه، وتعزّز الاحتكاك البنّاء بين الفاعلين. فالخطأ هنا ليس فشلًا، بل مادّة للتعلّم، شرط أن يُدار ضمن إطار من الاحترام والمسؤوليّة المشتركة. ويسهم هذا النهج في بناء سلوك جمعي قابل للتفكّر والتقييم والمراجعة، مع إدراك أنّنا لا نمثّل أنفسنا فقط، بل نعكس أيضًا مجتمعاتنا وسياقاتنا ودوائرنا الاجتماعيّة والثقافيّة المختلفة.
في هذا السياق، يبرز مفهوم الأخلاقيّات كإطارًا أكثر سعة ومرونة من القيم المجرّدة، وقابلًا للتفعيل في الممارسة اليوميّة. فالأخلاقيّات تأخذ في الاعتبار الطبيعة البشريّة، وتغيّر الأفراد، وتأثّرهم بالظروف والأحداث، دون تحويل القيم إلى معايير جامدة أو مثاليّة يصعب الالتزام بها. ومن هنا، يُطرح خيار الاتفاق على ممارسات واضحة للقيم، وأن تكون مدخلًا عمليًّا يُحوّل المبادئ إلى سلوكيّات ملموسة يمكن ملاحظتها، ومراجعتها، وتطويرها جماعيًّا، بما يُسهم في بناء الثقة، وتعميق التعلّم، وتعزيز القدرة الجماعيّة على التطوّر.
ترجمة المعنى في العمل اليومي
يأتي التأكيد على مفهوم القيمة في صلب هذا الطرح، ولا سيّما عند الحديث عن المجتمع كإطار جامع للعمل والتعلّم. تستدعى القيم هنا لتكون مبادئ عمليّة ينبغي أن تنعكس في طبيعة المبادرات، وفي أساليب العمل، وفي شكل العلاقات التي نبنيها مع بعضنا البعض. يظلّ هذا الالتزام ناقصًا إن لم يأخذ في الاعتبار واقع الأفراد وحياتهم اليوميّة، ومسؤوليّاتهم تجاه أسرهم ودوائرهم القريبة. من هذا المنطلق، يطرح هذا المسار سؤالًا عمليًّا: كيف نُترجم القيم والمبادئ إلى ممارسات ملموسة داخل المبادرات والعمل؟ وكيف نُنشئ منظومة تُراعي الإنسان في كُلّيته، كجزءٍ من شبكة اجتماعيّة أوسع تتأثّر وتؤثّر بما نقوم به؟ القيم لا تُقاس بالنيّات، بل بقدرتها على تشكيل الخيارات، وتنظيم العلاقات، وتوجيه القرارات في الواقع.
تتشكّل هذه المنظومة تدريجيًّا عبر توليفة شاملة تضمّ مختلف القطاعات والفاعلين المعنيّين، بما يضمن تمثيل التنوّع القائم وعدم اختزاله. مع الوقت، ومن خلال العمل المشترك والتجربة المتراكمة، تبدأ لغة مشتركة وأصيلة في التشكل؛ لغة تنبع من الواقع. في هذا السياق، التقاطعات تنمو خطوةً خطوة ما يفتح المجال أمام شراكات وتشاركات حقيقيّة، متجذّرة في التجربة، وقادرة على البقاء والاتصال الدائم بالواقع. كما ويأتي هذا المسار إدراكًا لواقعٍ قائم، يتمثّل في غياب لغة مشتركة، وضعف ثقافة التضامن، وتآكل الثقة بين الفاعلين في المرحلة الراهنة. من هنا، لا يدّعي هذا الطرح القفز فوق هذا الواقع، بل يسعى إلى التعامل معه كما هو، وبنائه من جديد عبر التعلّم المشترك، والعمل التراكمي، وتحويل القيم من خطابٍ نظري إلى ممارسة حيّة.
التعلّم كعمليّة تراكميّة
ملاحظة أخيرة، إنّ ما يَظهر في هذه المرحلة من أسئلة مفتوحة ومساحات غير مكتملة، وعدم حسمٍ في بعض الجوانب المتعلّقة بالشكل أو الآليّات،يُنظر إليهكسمةً أصيلة لمسارٍ تعلّميٍّ حيّ ما زال في بدايته. فقد عُقِد اللقاء الأوّل لفتح مساحة مشتركة للتفكير ووضع الأسئلة في مكانها الصحيح،والاتّفاق على أرضيّة مفاهيميّة وقِيَميّة يمكن البناء عليها تدريجيًّا. إنّ ملامح النموذج الوطني للتعلّم تتشكّل عبر التراكم والحوار المستمر والتجربة المشتركة، وما تحمله اللقاءات اللاحقة من نقاشات أعمق وتقاطعات أوضح وتوافقات تتبلور مع الوقت. من هنا، يُفهم هذا المسار على أنه عمليّة مفتوحة للتعلّم والتطوير، حيث تتكامل الأفكار، وتُختبَر الفرضيّات، وتُعاد صياغة الأسئلة، وصولًا إلى نموذج أكثر نضجًا، متجذّر في الواقع، وقادر على الحياة والاستمرار.
سهى عياش