والاقتصاد الاجتماعي والتضامني في الأردن
مقدمة
تأتي هذه الورقة المعرفية في سياق الحوارية الثانية ضمن مسار يهدف إلى المساهمة في صياغة نموذج تعلم وطني في الأردن يربط بين الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والصناعات الثقافية والإبداعية. ينطلق هذا المسار من فهم يعتبر أن بناء المعرفة يتحقق من خلال مسار تراكمي يجمع بين الزيارات الميدانية، والحواريات، والتشبيك، وإنتاج أوراق معرفة توثق التعلم وتؤصل فهما منبثقا من الواقع الأردني. ركزت هذه الحوارية على سؤال المساحات كأماكن تستضيف أنشطة أو فعاليات بطبيعة الحال ولكن نظرا لكونها عنصرا محوريا في المنظومة الثقافية والإبداعية، ورافعة محتملة للتكامل والتشغيل وإنتاج القيمة الاجتماعية. لذلك كان السؤال الأعمق: هل تشكل هذه المساحات بنية تحتية ممكنة للتكامل بين القطاعات والفاعلين، وقادرة على دعم التشغيل، وتعزيز الاستدامة، والمساهمة في بناء استقلالية محلية أكثر رسوخا؟
كما أظهرت النقاشات أن أهمية المساحات تكمن في الأدوار التي تؤديها، وما تتيحه من إمكانات للتعلم، والتشبيك، والإنتاج، والعرض، والتداول، وحفظ الذاكرة، وبناء المجتمعات. وفي المقابل، كشفت المداخلات أيضا عن تحديات بنيوية تتعلق بالاستدامة، والبيئة التنظيمية، وضعف الاعتراف الرسمي، ومحدودية الاستثمار المنهجي في المجال الثقافي والإبداعي، رغم الأثر الاجتماعي الواضح الذي تنتجه هذه المساحات في مجتمعاتها وسياقاتها المختلفة. تهدف هذه الورقة إلى التقاط أبرز ما أنتجته الحوارية من أسئلة وملاحظات واتجاهات تحليلية حول المساحات، وقراءتها كجزء من منظومة أوسع تشمل القطاعات، والفاعلين، والفجوات، وفرص التكامل. كما تسعى إلى الإسهام في تأصيل معرفة تشاركية تعكس الواقع الأردني، وتساعد على تطوير فهم محلي أكثر تماسكا للعلاقة بين الصناعات الثقافية والإبداعية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
ماذا نعني بالمساحات في هذا السياق
أظهرت الحوارية أن الحديث عن المساحات باعتبارها جزءا من بنية تحتية أوسع تؤدي وظائف متعددة داخل المنظومة. الحوارية اقترحت الانتقال من مفهوم “المساحات” إلى مفهوم “بنية تحتية ممكنة للتكامل”، بما يشمل مساحات للإنتاج، والعرض، والتدريب، والتشبيك، والبيع والتداول، وحفظ التراث والذاكرة، إضافة إلى المساحات الرقمية. هذا التحول في الفهم مهم لأنه ينقل النقاش من السؤال عن وجود مكان مادي إلى السؤال عن الوظيفة التي تؤديها هذه المساحة داخل سلسلة أوسع من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. المساحة، بهذا المعنى عنصر فاعل في توليد فرص التشغيل، وربط الفاعلين ببعضهم، وتطوير المهارات، وتيسير الوصول إلى الجمهور أو السوق، وتعزيز إمكانات الاستمرار والتكامل بين القطاعات المختلفة (أي أن المساحة ليست مجرد وعاء للنشاط).
هذا الفهم الوظيفي للمساحات ينسجم مع تنوع القطاعات الثقافية والإبداعية في الأردن، من الفنون البصرية والأدائية والموسيقى والسينما والنشر والتصميم، إلى الإعلام الرقمي، والألعاب الإلكترونية، والحرف التقليدية، والفعاليات، والتراث، والعمارة، وغيرها من المجالات التي تحتاج كل منها إلى فضاءات وأشكال دعم وبنى تشغيل مختلفة. هذا يعني أن المساحات يجب فهمها من حيث أدوارها، وعلاقاتها بالقطاع الذي تنتمي إليه، وقدرتها على خدمة أكثر من وظيفة في الوقت نفسه. من النقاط المهمة التي برزت أيضا أن بعض المساحات تتجاوز التصنيف الثقافي الضيق، وتعمل في تقاطع واضح بين الإنتاج الثقافي أو الإبداعي، والأثر الاجتماعي، والتعليم، والتشغيل، وبناء المجتمع. على سبيل المثال، كيف يمكن لمساحة مجتمعية غذائية إنتاجية أن تربط بين الغذاء، والأرض، والمعرفة الزراعية، والذاكرة، والتعلم، والسيادة الغذائية، بما يجعلها جزءا من النقاش الأوسع حول البنية التحتية المجتمعية المنتجة للقيمة. بالمثل، ظهر أن المسرح أو المركز الثقافي المستقل، أو المساحة الشبابية التعليمية المجتمعية، أو المؤسسة الفنية المستقلة تعمل كمنصات لإنتاج أثر اجتماعي وثقافي ومعرفي متراكم.
لذلك، يمكن القول إن المقصود بالمساحات في هذا السياق هو كل فضاء مادي أو هجين أو رقمي يتيح وظيفة حيوية داخل المنظومة، ويساهم في تحريك العلاقة بين الثقافة والإبداع والاقتصاد الاجتماعي والتضامني. تكمن أهمية هذا التعريف في أنه يساعد على تجاوز النظرة الاختزالية للمساحة كمكان ثابت، نحو النظر إليها كحلقة وصل داخل منظومة من الفاعلين، والموارد، والقيم، والفرص، والعوائق، وإمكانات التكامل.
أدوار هذه المساحات
هناك أربعة أدوار رئيسية للمساحات: أدوار تشغيلية، وأدوار اجتماعية، وأدوار تعلمية وشبكية، وأدوار تحويلية تربط بين الثقافة والاقتصاد والمجتمع. وهذه الأدوار لا تظهر بالطريقة نفسها في كل الحالات، لكنها تشكل معا مدخلا مهما لفهم المساحات كبنية تحتية حية داخل المنظومة.
هذه المساحات تؤدي أدوارا مركبة تتجاوز الاستضافة أو العرض، وتمتد إلى تشكيل بيئات إنتاج وتعلم وربط اجتماعي واقتصادي. بدلا من النظر إلى المساحة كحيز محايد، برزت كوسيط يصنع العلاقات بين الناس والموارد والمعرفة والفرص. هذا ما جعل السؤال عن المساحات مرتبطا مباشرة بالتشغيل، والقيمة الاجتماعية، والتضامن، والاستدامة، والسيادة أو الاستقلالية المحلية، وهي المحاور التي اقترحتها الحوارية أيضا كمدخل لقراءة أي مساحة داخل المنظومة. المساحات يمكن أن تكون مولدة لفرص العمل، ولكن ليس فقط بالمعنى المباشر أو التقليدي. في بعض النماذج، ظهرت المساحة كبيئة توفر وظائف مباشرة، وشبكات عمل جزئي، وفرص عمل حر، وشراكات ممتدة، ومداخل تعلم مرتبطة بالعمل نفسه. في نماذج أخرى، لم تكن القيمة التشغيلية محصورة في التوظيف المباشر، بل في بناء المهارات، وخلق مسارات مهنية، وتهيئة الشباب للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل. هذا يوسع فهم التشغيل من كونه عددا من الوظائف إلى كونه قدرة المساحة على إسناد حياة مهنية أو إنتاجية أو تعلمية مستدامة.
وثاني ما ظهر بوضوح هو أن هذه المساحات تنتج قيمة اجتماعية عالية، وأحيانا تفوق بكثير ما يمكن قياسه ماليا على المدى القصير. بعض المساحات الثقافية المستقلة خلقت أثرا اجتماعيا كبيرا في المجتمع من حيث إتاحة الفن والثقافة، وبناء جمهور، وخلق أشكال من التضامن، واحتضان التعبير والنقاش واللقاء. كما أن بعض المساحات المجتمعية الإنتاجية ربطت بين الغذاء، والمعرفة الزراعية، والذاكرة، والتعلم المجتمعي، بما يجعل أثرها متجاوزا لفكرة الخدمة أو المنتج إلى دور أعمق في إعادة وصل الناس بالأرض وبأنماط عيش ومعرفة محلية. وثالثا، المساحات يمكن أن تكون حواضن للتعلم والتشبيك، الناس يلتقون في هذه المساحات، ثم يطورون لاحقا أشكالا من التعاون والعمل المشترك خارجها أيضا، ما يعني أن أثر المساحة يمتد زمنيا وشبكيا إلى ما بعد الحدث أو البرنامج نفسه. وهنا تظهر المساحة كبنية مولدة للعلاقات، وقادرة على دعم مجتمع من الفاعلين.
ورابعا، برزت بعض المساحات كنماذج عملية على إمكان التداخل بين البعد الثقافي والإبداعي والبعد الاجتماعي والتضامني. هذه المساحات تقدم كأماكن تحاول أن تجمع بين القيمة الاقتصادية والقيمة الاجتماعية ضمن منظومة قيم وأخلاقيات وممارسات يومية، سواء من خلال نموذج تعاوني، أو عبر بناء مجتمع تعلم، أو من خلال ربط المعرفة بالممارسة، أو عبر استثمار البنية التحتية لخدمة فئات اجتماعية محددة. هذا مهم لأنه يبين أن العلاقة بين الصناعات الثقافية والإبداعية والاقتصاد الاجتماعي يمكن أن تتجسد فعليا داخل طريقة عمل المساحة نفسها.
وظيفة المساحة لا تكتمل تلقائيا بمجرد وجودها. فوجود فضاء مادي لا يعني بالضرورة وجود بنية تحتية قادرة على التكامل أو إنتاج الأثر المطلوب. برزت إشارة واضحة إلى أن البنية التحتية وحدها لا تكفي من دون فضاء حر، ومن دون تصور لما الذي نريد أن تفعله هذه المساحات، ولأي اتجاه نريد أن تقودنا.
التحديات والفجوات
وجود المساحات، مهما كانت فاعلة ومؤثرة، لا يعني بالضرورة أن المنظومة المحيطة بها قادرة على دعمها أو تمكينها. بل ظهر بوضوح أن كثيرا من هذه المساحات تعمل رغم معيقات بنيوية وتنظيمية ومالية ومفاهيمية، وليس بفضل بيئة حاضنة متكاملة. التحدي لا يكمن فقط في تطوير كل مساحة على حدة، بل في معالجة الفجوات التي تحد من تحول هذه المساحات إلى بنية تحتية مترابطة وقادرة على الاستمرار والتكامل. أولى هذه الفجوات تتعلق بالاستدامة. المساحات، حتى عندما تنتج قيمة اجتماعية وثقافية واضحة، تبقى تحت ضغط دائم لتأمين مواردها المالية والاستمرار في العمل. بعض المساحات تحاول بناء نماذج دخل هجينة تجمع بين البرامج، والتدريب، وتأجير المكان، وبيع المنتجات أو الخدمات، لكن ذلك لا يلغي هشاشتها أمام الرسوم والضرائب وضعف التمويل طويل الأمد ومحدودية الدعم المؤسسي المستقر. هنا تظهر مفارقة أساسية: الأثر الاجتماعي مرتفع، لكن شروط الاستدامة ليست دائما متناسبة مع هذا الأثر.
ثاني الفجوات ترتبط بالبيئة التنظيمية والقانونية مع وجود معيقات تتعلق بالضرائب، والرسوم، والموافقات، والقوانين التي تفرض أعباء على الفعاليات أو الأنشطة الفنية والثقافية، بما يحول في بعض الحالات دون توسع العمل أو استقراره. كما برزت مسألة الاعتراف الرسمي والقانوني كقضية حاسمة؛ إذ إن الاعتراف الشخصي أو المجتمعي بأهمية العمل الثقافي والإبداعي لا يكفي وحده، ما دام الاعتراف الرسمي هو الذي يحدد بدرجة كبيرة من يستطيع العمل، وكيف يعمل، وما الذي يمكن دعمه أو الاستثمار فيه داخل المنظومة. الفجوة الثالثة تتصل بالاعتراف المفاهيمي نفسه وهنا برز سؤال مهم حول تعريف الصناعات الثقافية والإبداعية: ماذا تشمل، وما الذي نكسبه أو نخسره بوجود تعريف واضح أو بغيابه؟. غياب تعريف متماسك ينعكس على السياسات، والتمويل، والقياس، والتمثيل، وحتى على ترتيب الأولويات داخل القطاع. كما أن اختزال الصناعات الثقافية والإبداعية في عدد محدود من القطاعات، أو التركيز على صناعات بعينها مثل الألعاب الإلكترونية والأفلام، يهدد بتهميش قطاعات ومساحات أخرى لا تقل أهمية من حيث الأثر أو التشغيل أو القيمة الاجتماعية.
وبرزت أيضا فجوة تتعلق بالعلاقة مع الجمهور والسوق. ظهر أن هناك تحديا في بناء استعداد عام للدفع مقابل المنتج أو الفعل الثقافي، وهو ما يعكس ليس فقط مسألة قدرة شرائية، بل أيضا محدودية في ترسيخ الفهم المجتمعي للقيمة الاقتصادية والثقافية لهذا العمل. وهذا يعني أن الفجوة تكمن أيضا في البيئة الاجتماعية والاقتصادية الأوسع التي تستقبل هذا الإنتاج أو تتفاعل معه. ومن التحديات المهمة كذلك محدودية رأس المال البشري، أو التفاوت في الكفاءة والقدرة على إدارة الموارد والتوسع والتكامل. المشكلة ليست دائما في غياب الموارد فقط، بل أحيانا في غياب الخبرة الكافية لإدارة هذه الموارد ضمن منظور تكاملي وتضامني طويل المدى. بناء التضامن يحتاج إلى قيادة، وحشد، وثقافة عمل جماعي، وإرادة مشتركة تتجاوز منطق التنافس أو التجزئة.
تكشف هذه الفجوات مجتمعة عن مسألة أعمق، وهي أن المنظومة ما زالت غير مكتملة من حيث الترابط بين قطاعاتها ومساحاتها وفاعليها. التحديات لا تقتصر على ضعف التمويل أو صعوبة التشغيل، بل تشمل أيضا غياب الاعتراف الكافي، وارتباك المفاهيم، وتفاوت القدرة على الاستدامة، وضعف الاستثمار المنهجي في القطاعات المختلفة، ومحدودية التكامل بين المساحات بوصفها أجزاء من بنية تحتية أوسع.
فرص التكامل
يوجد إمكانات مهمة للتكامل لم تتبلور بعد بشكل كامل، لكنها حاضرة بقوة داخل التجارب المطروحة؛ أولى فرص التكامل تتمثل في إعادة النظر إلى المساحات كبنية تحتية مشتركة وليس كمجرد مواقع مستقلة تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى. عندما نفهم المساحات باعتبارها تؤدي وظائف إنتاج، وعرض، وتدريب، وتشبيك، وبيع وتداول، وحفظ ذاكرة، وحضور رقمي، يصبح من الممكن التفكير في كيفية ترابط هذه الوظائف بين أكثر من مساحة وأكثر من قطاع. المساحة التي تنتج المعرفة أو المهارة لا يجب أن تكون هي نفسها المساحة التي تعرض أو تسوق أو تحفظ الذاكرة، لكن قوة المنظومة تظهر عندما تصبح هذه الوظائف متصلة، وقادرة على الإسناد المتبادل. ثاني فرص التكامل تكمن في العلاقة بين الأثر الاجتماعي والبنية الاقتصادية. عددا من المساحات يملك بالفعل قيمة اجتماعية كبيرة، سواء من خلال بناء جمهور، أو دعم التعلم، أو خلق أشكال من التضامن، أو ربط الناس بالأرض والغذاء والذاكرة، أو احتضان طاقات الشباب وتطويرها. لكن هذه القيمة الاجتماعية يمكن أن تصبح أكثر رسوخا وأثرا عندما ترتبط بشكل أوضح بسلاسل قيمة، وفرص تشغيل، ومسارات إنتاج وتداول، بحيث لا تبقى معزولة عن الاقتصاد، ولا تختزل أيضا في منطق الربحية الضيق. هنا تظهر فرصة مهمة لبناء نماذج تجمع بين القيمة الاقتصادية والقيمة الاجتماعية ضمن رؤية متكاملة.
ثالثا، تبرز فرصة التكامل على مستوى بناء مجتمعات الفاعلين. كثيرا من القيمة التي تنتجها المساحات لا تتوقف عند النشاط المباشر، بل تظهر في ما تتيحه من إلتقاء، وتعارف، وتشبيك، وتطوير لاحق لعلاقات عمل أو تعاون بين الأفراد والمؤسسات. المساحات يمكن أن تشكل نقاط ارتكاز لبناء مجتمع تعلم وتطبيق مستدام التكامل يعني التنسيق بين المؤسسات وأيضا تنمية شعور مشترك بالانتماء إلى منظومة أوسع، تتبادل المعرفة، وتبني الثقة، وتدعم التجارب المختلفة من دون محو خصوصيتها. كما أن هناك فرصة واضحة للتكامل بين القطاعات نفسها. هناك اتساع في خريطة الصناعات الثقافية والإبداعية في الأردن، وتنوع أشكال المساحات المرتبطة بها، من الفنون الأدائية والبصرية والموسيقى والسينما والنشر، إلى التصميم، والمحتوى الرقمي، والحرف، والتراث، والفعاليات، والعمارة، وغيرها. هذا التنوع يعتبر كمورد غني يمكن أن يولد أشكالا جديدة من التعاون والتقاطع. غير أن ذلك يتطلب الخروج من منطق التعامل مع كل قطاع كجزيرة منفصلة، والانتقال إلى رؤية ترى في التقاطعات بين القطاعات مساحة خصبة للإنتاج والتجريب والتشغيل وبناء القيمة.
من الفرص المهمة أيضا ما يرتبط بإنتاج معرفة محلية مؤصلة. الحوارية نفسها جزء من مسار يعتمد على الزيارات، والنقاش، والتوثيق، وإنتاج أوراق معرفة، بهدف بناء فهم نابع من الواقع الأردني، لا من استيراد نماذج جاهزة وفرضها على السياق المحلي. هناك أيضا حساسية واضحة تجاه خطر اختزال المنظومة في نماذج مستوردة أو في قطاعات محددة فقط، مقابل الحاجة إلى تطوير تصور محلي يستوعب التعقيد الفعلي للمشهد الثقافي والإبداعي في الأردن. هذا بحد ذاته فرصة تكامل معرفي، لأن بناء اللغة والمفاهيم المحلية المشتركة هو شرط أساسي لأي تكامل مؤسسي أو قطاعي لاحق. أخيرا، هناك فرصة مهمة لربط فكرة الاستقلالية المحلية أو السيادة المحلية بالممارسة اليومية للمساحات. ارتبطت هذه الفكرة بالغذاء، والأرض، وسلاسل الإمداد، والذاكرة، والتعليم، و بالاستقلال المؤسسي، والقيم، وحرية الفضاء، والاعتراف، وبناء نماذج عمل منسجمة مع السياق المحلي. هذا يفتح الباب أمام فهم التكامل كعملية أوسع تهدف إلى تعزيز قدرة هذه المنظومة على إنتاج شروطها ومعانيها وأولوياتها من داخل المجتمع نفسه.
بناء على ذلك، يمكن القول إن فرص التكامل المطروحة في الحوارية تنطلق من عناصر موجودة بالفعل: مساحات تؤدي وظائف حيوية، وفاعلون يملكون خبرات وتجارب، وقطاعات متنوعة، وأثر اجتماعي واضح، وحاجة مشتركة إلى تطوير رؤية محلية أكثر تماسكا. غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى منظومة فعلية يتطلب عملا مقصودا على مستوى الربط، والاعتراف، وتبادل الموارد والمعرفة، وصياغة أطر مشتركة تساعد على الانتقال من التوازي إلى التكامل.
الخلاصات والأسئلة المفتوحة
توضح هذه الحوارية أن المساحات يمكن التعامل معها باعتبارها جزءا من بنية تحتية اجتماعية وثقافية واقتصادية يمكن أن تسهم في التشغيل، والتعلم، والتشبيك، وإنتاج القيمة الاجتماعية، وتعزيز أشكال من الاستقلالية المحلية. هذا التحول في الفهم هو من أهم ما أنتجته النقاشات، لأنه ينقل الاهتمام من توصيف المساحة إلى مساءلة وظيفتها، وشروط استدامتها، وعلاقاتها ببقية عناصر المنظومة. كما أن القيمة الاجتماعية التي تنتجها هذه المساحات كبيرة وواضحة، سواء عبر بناء جمهور، أو خلق فرص تعلم، أو احتضان التعبير الفني والثقافي، أو ربط الناس بالأرض والغذاء والذاكرة، أو فتح المجال أمام الشباب للمشاركة والتطور والعمل. لكن هذه القيمة لا تجد دائما ما يقابلها من اعتراف قانوني أو مؤسسي أو اقتصادي كاف، وهو ما يجعل كثيرا من المساحات تعمل تحت ضغط دائم، بين الحاجة إلى البقاء والحاجة إلى الحفاظ على رسالتها وقيمها وأثرها المجتمعي .
من إحدى المشكلات المركزية تتعلق بغياب الترابط الكافي بين المساحات والقطاعات والفاعلين. البنية موجودة جزئيا، والتجارب موجودة، والأثر موجود، ولكن المنظومة ما تزال في حاجة إلى مزيد من الوصل بين عناصرها، حتى تتحول هذه الإمكانات المتناثرة إلى قدرة تكاملية أكثر تماسكا واستدامة. التحدي منوط ببناء تصور أوسع لكيفية ربط الوظائف المختلفة: الإنتاج، والعرض، والتدريب، والتداول، والتوثيق، والحضور الرقمي، ضمن بيئة أكثر تعاونا وتبادلا.
كما برزت أهمية إنتاج معرفة محلية منبثقة من الواقع الأردني و يكمن السؤال في كيفية فهمنا للصناعات الثقافية والإبداعية في سياقنا وبما يعكس تنوع قطاعاتها ومساحاتها وممارساتها وقيمها، من دون اختزالها في قطاعين أو نموذجين أو في تعريفات ضيقة قد تفتح أبوابا معينة وتغلق أبوابا أخرى. لهذا، تبدو أوراق المعرفة نفسها جزءا من عملية بناء هذا الفهم المحلي وليس كمجرد أداة توثيق. انطلاقا من ذلك، يمكن أن تترك هذه الورقة مجموعة من الأسئلة المفتوحة للحواريات القادمة وللمسار ككل. من هذه الأسئلة: كيف يمكن الانتقال من وجود مساحات فاعلة ولكن متفرقة، إلى بنية تحتية مترابطة تدعم التكامل والتشغيل والتعلم؟ وما الذي تحتاجه هذه المساحات حتى يعترف بها ليس فقط مجتمعيا، بل أيضا قانونيا ومؤسسيا واقتصاديا؟ وكيف يمكن تطوير تعريفات وأطر محلية للصناعات الثقافية والإبداعية تستوعب الواقع الأردني ولا تفرض عليه نماذج جاهزة؟ ثم كيف يمكن تحويل القيمة الاجتماعية الكبيرة التي تنتجها هذه المساحات إلى قوة تفاوضية وسياساتية وتمويلية تدعم استمراريتها؟
وأخيرا، تقترح هذه الحوارية أن السؤال الأهم إلى أين نريد أن نذهب بهذه المساحات وما الذي نريد أن تبنيه لنا ومعنا. حين ينظر إلى المساحة باعتبارها بنية تحتية حية، يصبح النقاش حولها نقاشا حول شكل المجتمع الذي نريد، وأنماط الاقتصاد التي نعتبرها عادلة ومجدية، ونوعية العلاقات التي نريد أن نبنيها بين الثقافة والإبداع والعمل والتضامن والسيادة المحلية.