مسارات الإبداع: دعوة للعمل والالتزام

مسارات الإبداع: دعوة للعمل والالتزام

جاءت الجلسة الختامية للملتقى لتجسر بين التأمل والعمل، حيث جمعت مُيسّري الورشات الأربع الموضوعية لتقديم خلاصات موجزة عن نقاشاتهم. وقدمت هذه المداخلات خارطة طريق جماعية لتفعيل الموارد وتوسيع الإمكانات الإبداعية في وادي الأردن. كل مسار كشف عن تحديات وفرص، صيغت كأفكار قابلة للتنفيذ وذات أثر فوري محتمل.

  • مسارات السياحة الزراعية عُرّفت كتجارب زراعية شمولية وأصيلة متجذّرة في تقاليد الوادي وخالية من المدخلات الكيميائية. ومع ذلك، يواجه القطاع تحديات مستمرة: محدودية وصول الشباب لتجارب متكاملة في السياحة الزراعية، وجود فجوات في القدرات المحلية لتسويق فرادة المنطقة، وبقاء التمويل عائقًا رئيسيًا. كانت التوصية واضحة: تطوير وبناء قدرات محلية لإبراز وتسويق هوية وادي الأردن في السياحة الزراعية بما يتيح جذب الزوار والاستثمار.
  • مسارات أنظمة الغذاء أبرزت الدور المركزي لفنون الطهي في الهوية الثقافية، الموروثة عبر الأجيال والمنفتحة على التحديث. النقاش شدّد على ضرورة دعم الأفراد المبدعين، ليس فقط عبر المساعدات المانحة بل من خلال تشجيع المنتجين على اتباع شغفهم. جرى التأكيد على إشراك الشباب، مع مقترحات لدمج الثقافة الغذائية في المدارس وتطوير كتاب عن فنون الطهي لتوثيق التراث والترويج له. كما أُشير إلى أن الحفاظ على تقاليد الطعام يتطلب العناية بصحة التربة واستعادة النظم البيئية لضمان محاصيل أكثر صحة وممارسات ثقافية أكثر صمودًا.
  • مسارات الصمود الرقمي ركزت على استخدام الأدوات الرقمية لتعزيز الصمود المجتمعي والنمو. التحديات شملت انعدام الثقة الواسع بالتقنيات الحديثة مثل العملات الرقمية بسبب عمليات الاحتيال، إلى جانب العوائق اللغوية التي تستبعد الكثير من الشباب مع بقاء معظم المنصات باللغة الإنجليزية. التوصيات تمحورت حول رفع الوعي وبناء الثقة بالمنصات الرقمية، وتطوير أدوات سهلة الوصول باللغة العربية لرسم المشهد الرقمي، وتوسيع المعرفة حول الاستخدام المسؤول لتقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والبلوكشين.
  • مسارات الثقافة والتراث كشفت عن تحديات عميقة في الوعي والترويج. ما زال كثير من الأردنيين غير مدركين لغنى وادي الأردن الثقافي والغذائي والمعماري. الانفصال عن التقاليد الزراعية، وضعف الخدمات والبنية التحتية للنقل ما زال يقيّد فرص الشباب. أصول التراث مثل العمارة الطينية وأساليب البناء التقليدي غير مروّجة بالشكل الكافي، رغم شعبيتها في بلدان مثل مصر والمغرب. كذلك المهرجانات والفعاليات الثقافية نادرة. ومع ذلك، تتوفر فرص كبيرة. إعادة إحياء هوية الوادي التاريخية كـ “أرض السكر” والترويج لعماراته الطينية ومصانعه القديمة طُرحت كمرتكزات قوية للسياحة الثقافية. تطوير برامج منظمة تعرض هذه التجارب الأصيلة يمكن أن يجذب الزوار المحليين والدوليين ويحوّل الأصول الثقافية إلى محركات للنمو.

إطار الالتزامات

كانت الدعوة للعمل واضحة: الانتقال من الاعتراف بالإمكانات إلى استثمار ملموس وجماعي يفعّل الموارد، ويوسّع الابتكار، ويحوّل وادي الأردن إلى مركز تتعزز فيه الهوية الثقافية والتنمية الاقتصادية معًا. من أجل توسيع الإمكانات الإبداعية لوادي الأردن، اختتم الملتقى بدعوة إلى التزامات عملية:

  • تطوير القدرات: الاستثمار في تدريب الشباب والنساء والفاعلين المحليين لتطوير مهاراتهم في السياحة الزراعية، التراث الغذائي، الثقافة الرقمية، وريادة الأعمال الثقافية.
  • تمويل مستدام: إنشاء آليات تمويل تتجاوز الاعتماد على المانحين، بما يتيح استثمارًا طويل الأمد في الصناعات الإبداعية والثقافية المحلية.
  • مواءمة السياسات: دمج مسارات الصناعات الإبداعية والثقافية بشكل أوضح ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، بما يضمن الملكية المؤسسية والتنسيق بين القطاعات.
  • تعزيز وبناء الشراكات: تعزيز التعاون بين المجتمعات المحلية، القطاع الخاص، المؤسسات الحكومية، والشركاء الدوليين للتشارك في صياغة الحلول.
  • إبراز وترويج: تطوير حملات ومنصات وفعاليات لعرض أصول وادي الأردن الفريدة لجمهور وطني وعالمي.

توصيات

  1. الالتزام والاستمرارية: الملتقى محطة مهمة، لكن يجب النظر إليه كبداية لمسار طويل. التنمية المستدامة في وادي الأردن تتطلب نهجًا متكاملًا يجمع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أُشيد بالمخرجات الملموسة مثل كتاب الطهي المقترح كخطوة عملية للحفاظ على الزخم. وأُعلن أن الملتقى القادم سيُعقد في العقبة لتطوير خطة عمل تستند إلى مداولات هذا الملتقى، ما اعتُبر التزامًا مهمًا بالاستمرارية.
  2. الاستثمار والأطر التمكينية: أكّد النقاش أن التنمية ستكون طويلة وصعبة لكنها ممكنة بوجود بيئة تمكينية صحيحة. ورُبط النجاح بالأطر التشريعية القوية، والمواءمة مع أولويات الحكومة الوطنية وهيئات السياحة، والدور النشط للقطاع الخاص كقائد رئيسي للنمو. كما أن جذب الاستثمارات يجب أن يستند إلى سرديات مقنعة وقصص نجاح ملموسة من مناطق أخرى.
  3. المعرفة والتخطيط القائم على الأدلة: كان غياب البيانات الموثوقة والمنهجية المتكاملة حول وادي الأردن موضوعًا متكررًا. شُدّد على أن التوثيق الدقيق والاعتماد على المنهجية العلمية شرط أساسي للتخطيط والتنمية الفعّالة. جرى التأكيد على أن الافتراضات والانطباعات لا يمكن أن تشكّل أساسًا لصنع القرار الاستراتيجي. وأُشير إلى أن مسوحات تنافسية السياحة تمثل مثالًا على كيفية استخدام البيانات الصلبة لقياس الأداء وتحديد الثغرات في القطاع.
  4. مخرجات واضحة ونطاق أوسع: دُعيت المنصة للتحول من النقاش إلى إنتاج مخرجات عملية وواضحة. ورغم أن التركيز على وادي الأردن كان أساسيًا، فقد طُرح أن الملتقيات المستقبلية يمكن أن توسّع نطاقها لتشمل مناطق أخرى من الأردن حيث ما تزال الصناعات الإبداعية والثقافية غير مستثمرة. كما جرى التوصية بدعوة رواد الأعمال إلى هذه اللقاءات لتعزيز الابتكار، وبناء الشبكات، وخلق فرص جديدة للتعاون.
  5. تقوية المجتمعات والروابط الإقليمية: اعتُبر تقوية المجتمعات المحلية حجر الزاوية لأي نهج مستدام. يجب أن تركز التنمية على أصوات وطاقات ومعارف المجتمعات نفسها، وضمان تمثيلها في صنع القرار والمبادرات. وذُكرت الروابط الأقوى بين مناطق مثل العقبة وعمان ووادي الأردن كمسارات مهمة للتمكين والتعاون والوصول إلى الأسواق. وأكد المشاركون أن الفاعلين المحليين يملكون بالفعل المعرفة والأصالة لعرض ما لديهم، ويجب أن تُوضَع هذه الأصول في قلب الاستراتيجيات المستقبلية.

سهى عياش