الثقافة والفن ومسارات الهوية في وادي الأردن

الثقافة والفن ومسارات الهوية في وادي الأردن

افتُتِحَت الحوارية بتأملٍ في تآكل الهوية الثقافية والإبداعية في الأردن والحاجة إلى استعادتها وإحيائها. وتم الاستشهاد بنجاح الهيئة الملكية للأفلام كمثال قوي على كيفية تمكّن الأردن من ترسيخ موقعه على خريطة صناعة السينما العالمية. وأكد المشاركون أن نماذج مماثلة من الابتكار الثقافي وبناء المؤسسات باتت مطلوبة بشكل عاجل في قطاعات أخرى مثل الغذاء، التصميم، والهندسة المعمارية، من أجل إطلاق الإمكانات المحلية وإدماج الإرث الأردني ضمن السرديات العالمية المعاصرة. أكدت النقاشات على أهمية استثمار الهوية الثقافية الفريدة لوادي الأردن كأساس لمسارات تنموية جديدة. ومن خلال ربط تقاليد الوادي بالسياحة والصناعات الإبداعية، رأى المشاركون فرصًا لتصميم تجارب تجمع بين الممارسات المحلية والحِرَف والمطبخ التقليدي مع أنشطة ثقافية تفاعلية. وتمت الإشارة إلى الدور التاريخي للوادي كـ “أرض السكر” في العصر الأيوبي، عندما ازدهر فيه زراعة قصب السكر، باعتباره مثالًا على إرث يمكن إعادة تصوره في إطار سياحة ثقافية حديثة.

رغم ثرائه بأصوله، يواجه الوادي عقبات متواصلة. فما زالت المجتمعات المحلية غير منخرطة بالقدر الكافي في الترويج للسياحة وغالبًا ما يتم تهميشها في عمليات صنع القرار. ويواجه الشباب نقصًا في الفرص والخدمات والدعم المؤسسي، فيما تُهمَّش كثير من مبادراتهم، مما يؤدي إلى الإحباط وفقدان الثقة. كما أُكِّد مرارًا على أن الإهمال الرسمي اوادي الأردن، رغم تنوع إمكاناته السياحية، يشكل عائقًا أمام التنمية المستدامة. عرض المشاركون أمثلة عملية ومبادرات لتوضيح ما يمكن تحقيقه. من بين هذه المشاريع إرث العمارة الطينية، الذي صُمّم لإحياء تقنيات البناء التقليدية كأصل ثقافي وسياحي. وأكد آخرون على أهمية دمج التجارب السياحية بالصناعات المحلية، مدعومة بالمهرجانات والمسارات الثقافية والفعاليات الموسمية. وقدّم ممثلون عن الشباب تجاربهم، مثل نجاح اللجان المحلية في العقبة في نقل احتياجات الأحياء إلى السلطات ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بينما اقترح آخرون ربط وادي الأردن بشكل أوثق باستراتيجية “المثلث الذهبي” السياحية في الأردن والتوسع في مجالات جديدة مثل السياحة العلاجية. ومع ذلك، عبّر بعض الشباب عن إحباطهم من تهميش مبادرات سابقة، ما عمّق فجوة الثقة بين المجتمعات والمؤسسات.

تلاقت الحوارية على عدد من الأولويات العملية. فقد رُؤي أن إحياء المهرجانات التقليدية، مثل مهرجان البرتقال وربطها بمواسم الحصاد، يمثل وسيلة للاحتفاء بالهوية الزراعية والثقافية معًا، مع إدماج الفنون الشعبية لإثراء التجربة. كما دعا المشاركون إلى تطوير المرافق السياحية لتلبي المعايير الدولية دون فقدان بساطة وأصالة المنطقة. واقتُرح اعتماد برمجة موسمية — صيفية وشتوية — لتنويع تدفقات الزوار وتعظيم الفرص على مدار العام. واعتُبر التدريب وبناء القدرات للشباب أمرًا جوهريًا لتمكينهم من تحويل الموارد المحلية إلى منتجات قابلة للتسويق تقلل التكاليف وتزيد الأرباح وتوفر سبل عيش مستدامة. وفوق كل ذلك، شدّد المشاركون على الحاجة إلى دعم حكومي أقوى وتوفير خدمات متكاملة لإطلاق الإمكانات الكاملة للسياحة والثقافة في الوادي.

أبرزت الحوارية ثراء الهوية الثقافية في وادي الأردن وفي الوقت نفسه هشاشتها. فرغم أن المنطقة تزخر بالإرث والتقاليد والإمكانات الإبداعية، إلا أنها ما تزال غير مُعترَف بها أو مُطوَّرة بشكل كافٍ. ومن خلال الاستثمار في مسارات قائمة على الهوية — المهرجانات، إحياء التراث، البرمجة الموسمية، وبناء قدرات الشباب — يمكن للوادي أن يتحول إلى مركز نابض للسياحة الثقافية والإبداع. وما يتطلبه الأمر الآن هو بيئة ممكنة تُعطي المجتمعات المحلية زمام القيادة، حيث تعمل الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص معًا لضمان أن الهوية الثقافية لا تُفقَد، بل يُعاد تخيّلها كحجر أساس للتنمية.

سهى عياش