اللامركزية في الصناعات الإبداعية والثقافية: وادي الأردن كنموذج للتفكير بالنظام البيئي

اللامركزية في الصناعات الإبداعية والثقافية: وادي الأردن كنموذج للتفكير بالنظام البيئي

ذكر وادي الأردن في أي نقاش حول الصناعات الإبداعية والثقافية ومستقبلها ووعودها، وغالبًا ما ستسمع كلمات مثبِّطة أكثر من سماعك كلمات تحمل إمكانية أو أفقًا. فما يزال يُنظر إلى هذه المنطقة على أنها هامشية؛ مكان لحرارة لا تُحتمل، ولعناءٍ وتخلّف في التنمية. ولكن، ماذا لو كانت هذه المنطقة بالذات (المهمَّشة والمُستَصغَرة منذ زمن بعيد) تحمل مفاتيح إعادة تخيّل المستقبل الإبداعي والثقافي للأردن؟ ماذا لو كان إيقاع مواسمها الزراعية، وعمق تراثها الحيّ، وصلابة مجتمعاتها الصامتة ليست عوائق، بل الأساس لبناء نظام بيئي تحويلي حقيقي؟

لبناء اقتصاد إبداعي وثقافي تحويلي بحق، على الأردن أن يعيد تعريف صناعاته الإبداعية والثقافية من خلال عدسة وادي الأردن، المنطقة الغنيّة بالتراث، الجذور الزراعية، والإيقاع الأصيل للمواسم. هذا الغِنى الأصيل يتجاوز بكثير حدود البُنى التحتية. ومع ذلك، ما يزال وادي الأردن يُرى من منظور ضيق للهامشية و”العمالة الرخيصة”. لقد حان الوقت لإعادة تخيّل وادي الأردن، ليس كفضاء هامشي، بل كمركز مُولِّد لمستقبل الصناعات الإبداعية والثقافية في الأردن.

إن تهميش وادي الأردن لم يكن صدفة، بل كان ممنهجًا. لعقود، جرى النظر إلى الوادي بعدسة مشوَّهة: أرض لزراعات رخيصة وعمالة أرخص. من المعروف على نطاق واسع، وإن لم يُوثَّق كثيرًا، أن كثيرًا من النساء يعملن منذ الساعة الرابعة فجرًا وحتى غروب الشمس مقابل ما لا يزيد على خمسة دنانير أردنية في اليوم، بينما يبقى كثير من الرجال – العاطلين عن العمل بنيويًا – في منازلهم. الفقر هنا واقع، لكنه ليس نتاج فشل ثقافي، بل نتيجة نموذج اقتصادي يتعامل مع المنطقة بوصفها مُستخرِجة لا مُنتِجة. النموذج نفسه يترك محاصيل كالطماطم لتتعفّن في الحقول لأن أسعار السوق لا تبرّر جَنيها. يُضاف إلى ذلك غياب الخدمات الاجتماعية، وانعدام المساحات الإبداعية-الثقافية الآمنة، وتصاعد مشكلات مثل تعاطي المخدرات والاستغلال الجنسي، فيغدو وادي الأردن ليس فقيرًا فقط؛ بل مُفرغًا من الاستثمار على نحو عميق. هذه هي الحقيقة التي يجب أن ننطلق منها إذا أردنا الحديث بصدق عن التحوّل الإبداعي.

على رفّ في جمعية “دار الكرام”، وهي جمعية مجتمعية أصيلة في سويمة، توجد نسخة مهترئة من كتاب Food First: The Myth of Scarcity، الذي نُشر لأول مرة عام ١٩٨٠. يجادل الكتاب بوضوح عاجل أن المجاعات ليست نتاج حدود الطبيعة بل قرارات سياسية واقتصادية. قراءته اليوم – في مكان تُترك فيه الطماطم غير مقطوفة لأنها رخيصة إلى درجة لا تبرّر القطاف – يبدو ساخرًا من جهة، وحديث الصلة بشكل مدوٍّ من جهة أخرى. لكن، وادي الأردن ليس مجرد مساحة نُقصان؛ إنه مساحة وفرة أُسيء إدراكها. إيقاعاته الزراعية، ممارساته الغذائية، وتقاليده الشفوية تحمل قيمة ثقافية إبداعية عميقة. الطبيعة الموسمية للحياة هنا (المحكومة لا بالساعات الرقمية بل بالمواسم والتقاليد) تمنح إيقاعًا مختلفًا للإنتاج الإبداعي-الثقافي. بهذا المعنى، فإن وادي الأردن غنيّ بما تدّعي الاقتصادات الإبداعية-الثقافية الحديثة أنها تبحث عنه: الجذور، الهوية، والأصالة. المشكلة ليست في الغياب؛ بل في التهميش والاعتراف. ماذا لو جرى الاعتراف بهذه الإيقاعات كبُنى تحتية إبداعية ثقافية؟ ماذا لو جرى دعم الإبداع الكامن أصلًا في الحياة الزراعية وربطه وتوسيعه؟ هذا ليس رومانسيّة معاناة ولا حنينًا للفقر؛ بل هو استراتيجية.

لقد عاش وادي الأردن طويلًا خارج الرادار الوطني؛ معروفًا بحرّه وحشراته ومحاصيله الرخيصة أو منتجعات البحر الميت. وخارج ردهات الفنادق، يعتقد الكثيرون أنه لا يوجد ما يُرى، ولا بالتأكيد ما يُبنى عليه. لكن هذا التصوّر يتشكّل من غياب البنية التحتية، لا من فراغ إبداعي-ثقافي أو بيئي. والأسوأ أن عقودًا من السياسات الزراعية الاستخراجية (المعتمدة على المبيدات والزراعة الأحادية والبذور المستوردة) حوّلت أرضًا كانت خصبة إلى تربة متعبة، سمّمت الأرض وخيالات ما يمكن أن يكون عليه هذا الإقليم. ومع ذلك، هناك بدائل بدأت تأخذ جذورها، من مبادرات إحياء البذور البلدية، مثل جهود ليث دويكات، إلى حركة صغيرة للزراعة الدائمة تتحدّى أسطورة الإنتاجية. وادي الأردن ليس أرضًا عقيمة؛ إنه أرض أسيء فهمها. لبناء اقتصاد إبداعي-ثقافي تحويلي بحق، على الأردن أن يتجاوز الإسمنت والتكييف ويعود لتعلّم قراءة الأرض. إعادة تخيّل وادي الأردن ليست مشروعًا رومانسيًا. إنها عملية استعادة بيئية واقتصادية وثقافية. إنها استراتيجية. إنها مقاومة. إنها صمود.

 

 مقال رأي بقلم سُهى م. عياش