الجراحة التجميلية هي الجراحات التي تجرى لأغراض وظيفية أو جمالية، فهي بالمفهوم البسيط استعادة التناسق والتوازن لجزء من أجزاء الجسم عن طريق استعادة مقاييس الجمال المناسبة لهذا الجزء. أصل الكلمة أتت من الكلمة اليونانية وهي فعل (يقولب) ويشكل، وبالتالي لا تمت بصلة الى مادة البلاستيك كما يتبادر الى اذهان البعض. تشير الجراحة التجميلية إلى اجراء جراحي تم اجراؤه لاعادة تشكيل وتغيير مظهر جزء من الجسم ويمكن أن يغير الهيكل أو الموضع أو اللون أو الملمس من جزء أو سمة الجسم ويبدأ من قبل شخص غير راض عن مظهره وليس من قبل طبيب يعتقد أن الجراحة لتحسين صحة الفرد. كما أن هناك العديد من العلاجات الأخرى التي أجريت لأغراض تجميلية والتي لا تنطوي على جراحة ولكن تنطوي على تغيير بنية أنسجة الجسم وهذه المعروفة باسم علاجات التجميل غير الجراحية. بخلاف النوع الرئيسي الآخر للجراحة التجميلية أو الجراحة الترميمية تجري الجراحة التجميلية لأسباب جمالية وليست صحية وهي جراحة الترف أو الشكل لتغيير المظهر بهدف تحسين احترام الذات وهي موضوع النقاش في هذه المقالة وتحديدا ما بعد القرن العشرين.
في حين كان مرضى الجراحة التجميلية حتى القرن العشرين معظمهم من الرجال أو بشكل أكثر تحديدا قدامى المحاربين في الحرب الذين يبحثون عن الإجراءات الترميمية. أسهم ظهور الاعلانات في هذا المجتمع المرئي للغاية في توسيع المثالية الغربية للجمال للانثى خارج الحدود الأمريكية فأصبح تحقيق الجسم المثالي الذي تمليه إلى حد كبير وسائل الإعلام الامريكية وصناعة السينما ممكنا بفضل التطورات في جراحة التجميل. مكنت الجراحة التجميلية عددا متزايدا ويتعاظم بسرعة من الأفراد لاعادة تشكيل أكثر تطرفا ومباشرا لأجسادهم على نحو يتسق مع مفهومهم للقوة والأنوثة والرجولة على نحو: شد الوجه وشفط الدهون وتخصيص طبقات البطن وعمليات تجميل الأنف والذقن وبنود أخرى متزايدة يوميا في قائمة تطول من الإجراءات والعمليات فلنكن متفقين على ان النظام الرأسمالي قادر باستراتيجياته وآلياته على تسيير الإنسان على وفق مقتضياته وأهدافه البعيدة.
رغم أن الجسد يخضع لعملية تشكيل أو نحت اجتماعي من خلال استيعابه لعادات ا المجتمع وقيمه ويصبح ذلك الاستيعاب وكأنه نظام تعليمي ضمني قادر على غرس تصور كامل عن الكون؛ تصورات فلسفية واخلاقية وميتافيزيقية من خلال أوامر بسيطة ومن هنا نلمح لوجود البعد الجنساني لممارسة الجراحة التجميلية لا يمكن إنكاره. حيث تحول الجسد وفق متلازمة الثقافة الغربية إلى قوة إنتاج وأداة عامله وسلعة للمتاجرة ورأسمال للإستثماروالربح وكاد يفقد قيمته الرمزية والأخلاقية. السؤال المتبادر إلى الأذهان، ما الذي بالإمكان فعله؟ كيف نتصرف في ظل هكذا نظام ينظر إلى الجسد ومليء باغراءات هوس الجمال ويفرض سطوة معايير الجمال ويخاطب بها مختلف الأعمارويقدم حلول سريعة وبدون أي دعوة لبذل مجهود بدني يحتاج لعزيمة وصبر، تحديدا ما الذي بالامكان فعله تجاه عمليات التجميل؟
أولا: يجب الاشارة إلى ان قيمة الخطاب البديل تتميز عن غيره من المقالات والمتوفرة بكثرة أن الخطاب البديل يحاول خلق الوعي المشترك وأننا جميعا جزء من مهمة مدنية أي وجود حس عالي تجاه قيمة عمليات التجميل واستخدام اللغة المضادة أي عكس كل ما هو محرض ومعنف ضد قيمة عمليات التجميل بالمطلق. الدعوة لاتخاذ كل ما هو إيجابي لتعزيز الصمود و التمسك بمفهوم التواصل ومنح الجمهور حق الإختيار.
ثانيا: هذا الإجراء الطبي الجراحي يستهدف تحسين مظهر أو وظيفة عضو ظاهر من خلال الشكل الخارجي أي ملامح الوجه والجسم والذي يعني بالجمال مما يعني عدم رضا صاحبها اي أن الدافع لإجراء هذه العمليات هو محض تغيير الشكل، من المهم أن نعي ان قرارتنا بتغيير اشكالنا يتخللها عوامل عدة تعترضنا يوميا ألاف المرات حتى وصلنا لدرجة ظننا أن تلك العوامل من البديهيات وحقائق يجب موائمتها والجري وراءها وإلا فلن تحظى بالقبول المجتمعي. هذه العوامل متعددة سنذكر امثلة عليها على سبيل المثال لا الحصر. تفترض نظرية المقارنة الاجتماعية التي وضعها فستنجر أن في داخل الفرد ما يدفعه الى بحث تقييم دقيق لذاته مما يدفعه إلى بحث عن تقييم دقيق لذاته والمقارنة بالآخرين من حوله، فمثلا قد لا نستطيع تقييم مظهرنا الخارجي إلا عندما نقارن أنفسنا بمن حولنا. الفاشينيستا كفكرة هي الشخص الذي لا يمشي على الموضة بل ينسق ازياءه بنفسه وبحسب ذوقه الشخصي ويختار ملابسه بحسب صيحات الموضة وينسقها مع بعضها البعض وفي الغالب يشتهرون على مواقع التواصل الاجتماعي ويعرضون تفاصيل حياتهم الشخصية، وهي ظاهرة اجتماعية تتمتع بسلطة اتصالية خلقت ما يسمى (الشخصية التسويقية).
تواصل هذه الصفحات الصعود لتؤثر في كثير من الأشخاص ايجابا وسلبا حيث يتولد شعور عدم الرضا عن المظهر والبحث عن المظهر المثالي وامتلاك الشكل النموذجي للقوام ولون الشعر والعيون والأسنان والملابس الانيقة وكنتيجة منطقية تتولد لدى المتابعين المبالغة في عدم تقبل العيوب الشكلية من اعوجاج الأنف أو اتساع الجبهة وشكل الشفاه أو هيئة القوام. كما وصممت الفلاتر عبر تطبيقات مواقع التواصل الاجتماعي لتعزيز الصور وجعلها اكثر جمالا وجاذبية. وتلغي الهوية الحقيقية للفرد عن طريق (الهوس) بمستحضرات العناية بالجسد والبحث عن وسائل لتغيير الشكل لكي يتماشى مع ما يشاهده افتراضيا وتصبح عمليات التجميل اداة محتملة لمحاولة الوصول لذات الصورة التي يخلقها الفلتر على مواقع التواصل.
اننا لا نختار بوحي ارادتنا إنه الإعلان والإعلام الذي يوجهنا في ذلك وإذا ما أدركنا دوافع الإعلان التجاري كما ان تطور عمليات التجميل دليلا على إعادة صناعة الجسد الأنثوي على وفق محددات جديدة تجعل الجمال نمطا واحدا لا متعددا حيث تم توحيد صورة للجمال ومعاييره ومقاساته. في كتاب الصورة المثالية لجسد المرأة بين المشاهير والواقع، ترى المؤلفة ان الإعلام لا يزال يقدم المرأة بصورتها النمطية داخل قالب جنسي وصورة معلبة لمفهوم “الموديل”. كذلك تشير الكاتبة إلى حملات التنمر التي تتعرض لها بعض النجمات في ظروف معينة بسبب فقدانهن لصورة الجسد المثالي. أما الاعلانات بالنسبة للكاتبة فقد ساعدت على تنميط صورة لجمال المرأة واستعملتها كأداة للجذب وكطعم لتشجيع الإستهلاك.
ثالثا: تكمن الإجابة بالإجماع أن سبب الجراحة التجميلية وبالاخص جراحة الشكل هي مستوى تقدير الذات وهذا يرجع أساسا إلى حقيقة أن تقييمات وآراء الآخرين غالبا ما تكون مبنية على مظاهرنا، الاشخاص الجذابين يكونوا أكثر قابلية لأن يحبوا مقارنة بالأشخاص غير الجذابين وغالبا ما يحظون بقدر اكبر من حب الآخرين ومعاملتهم الحسنة والتفضيلية رغم عدم صدور اي سلوك سلبي أو ردة فعل مسيئة من الأشخاص غير الجذابين. بالرغم من أني لا اتفق مع وصف (جذاب وغير جذاب) لما فيه من تكريس للصورة النمطية حول معايير الجمال والاحتكام للمظهر فقط في حق المعاملة الحسنة بل والتفضيلية فقط لانهم ليسوا جذابين استنادا لمرآة اعين الغير. يجب إعادة التفكر في مدى تقدير الذات الشخصي لأنه كلما كان تقديرنا لذاتنا سليما وجيدا قويت رغبتنا في أن نعامل الآخرين باحترام وكرم وود وعدل وإنصاف بما اننا لا ننزع إلى النظر إليهم على انهم بمثابة تهديد لنا لأن احترام الذات هو أساس احترام الاخرين. كذلك احترام الذات هو الدافع الأساسي للإجراء التجميلي. الشيء المفرح اننا جميعا بغض النظر عن السن أو التجارب التي مررنا فيها قادرون أن نعزز ونرفع من تقديرنا لذاتنا يمكننا أن نتحرر من افكارنا المقيدة وماضينا السلبي كي نحيا حياة اكثر اشباعا. كشخص بالغ انت مسؤول عن مستوى تقديرك لذاتك الذي يتحدد أساسا من خلال ما تعتقده وما تشعر فيه ازاء نفسك والتقدير الحقيقي للذات ينبع من داخلك وليس من آراء الآخرين فيك.
في كتاب تعزيز تقدير الذات، يقول الكاتب بانه في احدى ورشات التدريب التي يجريها كانت هناك سيدة (جذابة) تبلغ من العمر 25 عام ويبلغ طولها خمس أقدام كانت هذه السيدة تفتقر إلى قبول الذات بسبب اعتقادها بأنها قصيرة ا للغاية وهذا الإعتقاد أدى إلى أنها كانت تعتبر نفسها غير جذابة ونتيجة لهذه الصورة الخاطئة التي رسمتها لنفسها لم تبصر ابدا لما تتمتع به من سمات شخصية ايجابية كذلك هذا الأمر منعها من التعامل بارتياح مع زملائها الرجال بالعمل . فقليل منا من ينظر إلى نفسه في المرآة ويقول انا احب ذاتي تقديرنا لذاتنا ربما يكون قد أصيب بهزيمة بسبب تقييمات وآراء سلبية تلقيناها من أناس مهمين في حياتنا وبسبب إخفاقات حدثت في الماضي ونتيجة لأنماط سلوكية سلبية واساسا نحن نرى أنفسنا لا نتمتع باللياقة او عدم الكفاءة أو عدم الجاذبية بسبب الأسلوب الخاطئ في تنشئتنا خلال مرحلة الطفولة.
رابعا: تقبل الذات دور اساسي في خطوة اللجوء لعمليات التجميل او حتى عدم اللجوء اليها). اعتقد انه من المهم ان نعي ان هذا القرار يجب ان ينبع من مستوى عال من الصدق مع النفس وا ادراك الاحتياج الحقيقي للجراحة التجميلية والبحث عن تأثير المواد الحاقنة على الجسد في المدى البعيد .هذا الجانب في التفكير والتأمل يخلق لدينا حالة امتنان وتصالح مع ملامحنا واجسادنا .بالمحصلة قد ندرك الجمال الحقيقي في الأشياء من هنا تتولد فكرة رفض فكرة تطابقية الوجوه والأذواق التي انتجتها كثير من عمليات التجميل وان نتقبل أجسادنا بديناميكيتها وتفاعلها البديهي مع الطبيعة والزمن والتركيز على الثقافة الصحية بأهمية العادات الصحية ودورها بالتقليل من اللجوء للجراحة لتجنب احتمالات الأخطاء الطبية الناتجة عن هذه العمليات.
خامسا: بعد هذه التساؤلات ومحاولات في تقبل الذات. من الممكن ان يكون قرار اللجوء للجراحة التجميلية انضج ويحمل من الوعي ما يضمن أن يكون خطوة مدروسة وصحيحة للشعور باحترام الذات وبالنهاية السيادة على الجسد حق لمالكه تجاه مظهره بما يراه ملائما في مجتمعه ويعكس الصورة التي يرغب الإنسان أن يراها الآخر عليه.
يجب أن نأخذ نأخذ خطوة جميعا ونساعد انفسنا ودوائرنا المجتمعية بالوصول للسلام والرضا وحب الذات. نملك جميعا دور بالواقع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بالتصدي لأي تنمر على صور الأشخاص ومظاهرهم. ونشر الوعي الكامل بأن ليس كل ما يعرض على مواقع التواصل الاجتماعي حقيقي ويلبي الاحتياجات النفسية. نحترم قرارات الآخرين بخطوة الجراحة التجميلية وعدم الحكم عليهم أو التشكيك بقراراتهم او عدم تصديق عدد العمليات التي اجروها والتلميح بأنها أكثر من ذلك. كذلك توفير مساحة من الخصوصية اذا كان الاشخاص يفضلون عدم البوح بأنهم قد أجروا عمليات تجميل. كذلك يفضل أحيانا عدم الخوض بتلميحات من يحظى بالجمال الطبيعي ومن يملك جمالا لكنه مصطنعا وتعزيز اداة الحوار مع القاصرات اللواتي يرغبن بالبدء بالجراحة التجميلية.
لبنى خليل
المراجع:
اية يحيى محمد، كتاب “الصورة المثالية لجسد المرأة بين المشاهير والواقع”، 2019، دار “العربي للنشر والتوزيع”.
رانجيت سينج مالهي وروبرت دبليو ريزنر، كتاب “تعزيز تقدير الذات – اعادة بناء وتنظيم نفسك للنجاح في الالفية الجديدة “، 2005، مكتبة جرير.
سهير صفوت عبد الجيد، “المجتمع والجسد الانثوي في ضوء نظرية الممارسة لبورديو (دراسة تطبيقية في مجال جراحات التجميل). بحث منشور في حوليات اداب عين شمس المجلد 49، ديسمبر 2021.
بشرى جميل اسماعيل، “آثر الفاشينيستا في صورة الجسد لدى الإناث”، بحث منشور رابط.. 2020