إن مراقبة الإنسان لذاته بلا فهم أو بلا محاولات لإصلاح ما يدور حوله قد تحقق تحسنا في تصرف الفرد الواحد لا الجماعة. كما وتتطلب منا أن يتصرف كل منا على حِدة وأن يصلح كل منا تصرفاته بذاته كأن كل منا يعيش في كون له وحده. لكن الحقيقة الثابتة أننا نعيش في جماعات يؤثر كل منها على الآخر. ماذا لو قرر الواحد منا مواجهة نفسه؟، فهمها وفهم أساسيات السلوك الظاهر للناس والأهم فهم دواخله ولماذا يتصرف بهذه الطريقة في كل موقف يجابهه؟. ماذا لو قرر كل إنسان على هذه البسيطة أن لا يتجاهل مشاعره ونداءاته الداخلية وأن يتعامل معها كجزء لا ينفك عنه وأن لا يهملها باعتقاد منه أن الحياة المادية، قيمها والغرق فيها أو الإيمان بما يمكن تفسيره فقط؟. عرف الإنسان الإهمال بحوادث عدة عبر التاريخ وبني عليه قصصا عرفت في حكايات الشعوب وتراثها وأسست لثقافات مجتمعية وقيم ثابتة بثبات مناطقهم الجغرافية. عرف الإهمال بين الأحبة وكتب فيه شعرا ونظم في ألمه القصيد وعرف الإهمال العائلي وقيل فيه القصص وسردت على مسامع أجيال متعاقبة كرسالة واضحة بأهمية الفرد وأن لا يشعر بهجرانه من أقرب الناس له.
يعرف الإهمال لغويا على أنه عدم ممارسة العناية اللازمة تجاه فكرة، شخص أو شيء ما والتقصير أو التغافل تحت ظرف معين مما ينتج ضررا للطرف الآخر. أما مشاعر الإهمال أو الهجران فقد يصعب ايجاد تعريف واضح لها، قد تعرف على أنها سوء في المعاملة أو عدم الإهتمام بالشخص، تفاصيله ورغباته. وقد تعرف على عدم تلبية حاجات له مما قد يشعره بعدم أهميته لهم، أو على أنها نوع من العقاب على أفعال أخرى أو تجاهل لقيم مكنونة لعدم معرفة بها أو عدم الرغبة في سماعها. أليس مثيرا للإهتمام أن نجعل لفهمنا لهذه المشاعر اختبارت واضحة تدل عليها وتساعدنا أكثر على فهم ما يدور حولنا؟ هذا تحديدا ما حاول بعض الخبراء النفسيين القيام به عن طريق بعض الإختبارات.
- اختبار الإهمال العاطفي: عن طريق هذا الإختبار يقوم الشخص بالإجابة عن اثنين وعشرون سؤالا متتاليا قصيرة تشمل إما الإجابة بنعم أو لا. تشير نتائج هذا الإختبار أنه وكلما زادت الإجابات بنعم ستزداد أهمية مراجعة جذور الإهمال في شخصيتك وأهمية أن لا تؤثر هذه الجذور على من حولك.
- اختبار هيرمان روشاخ: انتشر هذا الإختبار لقياس الذكاء ومعرفة الخلل النفسي ونقاط التأثير العظمى. يتكون من بقع حبر على أوراق متعددة وتقوم عن طريق عشرة أسئلة بشرح شعورك مع كل ورقة تمر بها (جزء من المشاركين يرى فيها صور أشخاص أو حيوانات وجزء منها يرى صور خيالية أو أشياء غير موجودة). يبين هذا الإختبار مدى اتزانك الداخلي تبعا لجذورك النفسية ويساعدك على لمس المناطق التي قد يكون فيها خلل حتى يتسنى لك مساعدة نفسك الآخرين.
يوجد العديد من الإختبارات الشخصية التي تمكنك من معرفة ذاتك بشكل أفضل، ومعرفة مشاكلك وكيف يمكن أن تتحكم بك أو ثؤثر عليك. من ضمن هذه الاختبارات، الإختبارات الإسقاطية، اختبار تفهم الموضوع، اختبار تكمله الجمل، الإختبارات الموضوعية، اختبار كاليفورنيا للشخصية، اختبار كاتل لمكونات الشخصية، واختبار جاكسون لقياس سمات الشخصية.
عجلة المشاعر كمصدر لمشاعرنا
أيضا يمكننا أن نجعل هناك مصدرا لفهم ما يجول بالأذهان وأسباب تلك التصرفات أو الجذور النفسية لها؟ هذا بالتحديد ما قام به العالم بولتشيك في وحدة واحدة قام بتسميتها بعجلة المشاعر والتي تمثل المشاعر الأساسية التي يمر بها الإنسان. تقسم هذه المشاعر إلى ستة أقسام نصفها يمثل مشاعر المحبة والنصف الآخر يمثل مشاعر العار. شعور الإهمال يمثل أحد المشاعر السيئة التي لها ستة أسباب أساسية وهي الخزي، الإكتئاب، الوحدة، الحزن، التعب والذنب. يقع تحت كل سبب من هذه الأسباب جذران، الشخص المذنب يشعر بهذا الشعور نتيجة لجذران هما أن يكون مدان أو نادم. من منا لا يعرف قصة الفنان “فان جوج” حين شعر بالوحدة وأن الحب لا يتخلل روحه أو ينفذ إلى قلبه وشعر بالهجران ممن حوله خصوصا حين علم أنه مولود بنفس اليوم الذي ولدت فيه أمه أخاه الميت وأسمته بنفس الإاسم مما أحدث في نفسه شرخا عظيما أنه كان طفلا بديلا ولم يحب لذاته. كان من الممكن أن يعيش فان جوج أكثر لو فهم ذاته ولم يكن بهذه الحساسية أو فهم جذور شعوره وأن شعور الذنب الذي يمر به ما هو إلا مسبب للإهمال الذي مر به ويمكن أن يعالج قبل أن تأتي عليه كلها مرة واحدة.
يعرف الشخص المذنب بأنه الشخص الذي يقوم بالخطيئة أو الشخص الآثم تبعا لعرف أكبر أو معايير اجتماعية متفق عليها. لو حاولنا فهم كيف يتصرف المجتمع مع الشخص الذي يخالف قيمه وكيف يعمل على تفاقم تصرفاته عن طريق هجره وجعله منبوذا بينهم بدلا من محاولة فهم الأسباب التي دفعته ليقوم بهذا التصرف. وفقا لعجلة بولتشيك، الشخص المذنب في جذوره النفسية ليس وحشا أو علينا أن نجرده من إنسانيته. يذكر أحد المسجونين ممن حكم عليه بالسجن المؤبد نتيجة ارتكابه جريمة بشعة؛ كيف كان يريد إثبات أهميته حتى لو عن طريق فعل يصدم مجتمعه ليلتفتوا له لا أن يهجرونه. يذكر وعيناه تمتلئ دموعا ندما على ما فعل ويقول لو فهمت نفسي لما كان هذا مصيري ولو استطعت أن أكون بينهم وأن أشعر أني لست متجاهلا منهم. ربما الهدف الأساسي لإنشاء السجون هو أن يخلوا الإنسان لنفسه عله يردعها أو يندم على فعلته كما حدث في القصة المذكورة آنفا. لكن بعض الأشخاص قد يتحول بهم شعور الوحدة مع ظروف السجون المرافقة والتي قد يرافقها نوع من الزجر أو الحرمان.
كم مرة طبقنا تصرفات كهذه على أطفالنا ومن نحب بتجاهل مطالبهم وما يودون قوله أو جعلهم في آخر قوائم اهتمامنا وتقديم أشغالنا كافة عليهم بحجج وأفعال نحسب أهميتها بشكل أكبر؟. وعدم النظر لما يقولونه او يودون قوله على محمل الجدية ومعاملتهم كأشخاص قادرين على صنع فارق وقرارات في حياتهم وأن نقدم الحب والإهتمام لهم. أن نشعر من حولنا أنهم مسئولين عن أفعالنا أو أخطائنا سبب لأن يهجروننا. لا يوجد شخص على هذه البسيطة يستطيع احتمال أن يكون شماعة الأخطاء التي تلقي عليها اللوم بشكل مستمر وأن تدخله في دوامات مستمرة من التفكير بالتصرفات وتبريرها أو محاول إثبات عدم إدانته مما قد يستهلك نفسيته، وقته وطاقاته لتحافظ على مكانتك الإجتماعية أو أفكار في عقلك.
قد ينطوي على هذا الشعور إهمالنا لذواتنا بعدم تقديم العناية اللازمة لها أو عدم إعطاء الوقت اللازم لنطور ذواتنا ونفهمها ونعبر عنها أو بجلد الذات المستمر وأن لا يعطي لنفسه فرصة لأن نعرف قيمتها وأن نلومها باستمرار على مواقف حدثت ولا يمكن إصلاحها، أو أن يعجز عن مسامحة نفسه أو تقدير نجاحاته. إذا ما جئنا إلى ردود أفعال الأشخاص المهجورين فقد يرد بعض الناس الهجران بهجران ردا لاعتبارهم أو كرد فعل على إثبات عدم أهمية الشخص الأول له. من الناس من يتصرف بابتعاده عن باقي الأشخاص أو محاولة إثبات أنه ليس بحاجة أحد ليكمل حياته وحيدا منعزلا بدلا من محاولة فهم الأسباب وراء هذا التصرف ومعالجته. هذا العالم مليء بالاحتمالات منها ما هو حتمي وذو آمال عريضة، ومنها ما هو إلا إدراكات متراكمة قد تفرض علينا وبعضها عدمي لا يسع حتى فكرة.
نعيش في دوامات متتالية وكثافة مجنونة في فضاءات واسعة تتخطانا وتتخطى ما نريد ونتجاهل بعضها ويشدنا بعضها عنوة. في خضم محاولات عديدة وعملاقة لا تنتهي يوجد ندبات تؤثر في حياتنا كحدث ألمع، يؤثر بنا ونؤثر به. يتجاهلنا أشخاصا وندير ظهورنا نحن لبعضهم. وفي صدد أوسع لأن نحقق ما نصبو إليه يقف واحدنا رافضا أن لا يدور العالم حوله وتراه يرفض أن يُناقش بخطئه أو يعترف به حتى. علينا أن نعلم أن الناس قد يبتعدوا عنك ويجفوك لخطئٍ قمت به وأنت غير مكترث لإصلاحه أو قد يكون ابتعادهم عنك لوجودك في دوائر لا تمثلك. لكن الحقيقة الثابتة دوما أننا جزء من هذا العالم ولسنا هذا العالم، وأن علينا أدوارا تجاه من حولنا وأطفالنا أو من نحب كجزء أهم. أطفئ ضجيج هذا العالم واسمح لدواخلك أن تتحدث بدلا من لسانك. من هنا تظهر أنتَ وتعرف كَ أنتَ، وتعرِف كيف تكون كما تصبو لا كما يريد العالم لك أن تكون.
مريم رمزي