ما بين المغفرة واللامغفرة

ما بين المغفرة واللامغفرة

العمر لحظة، لحظة قد تكون فرصة، العمر يمضي بغصّة وفرح، العمر يمضي بدمعة وبضحكة. علينا أن نكون واعيين متسامحين، يختلف التسامح عن التغاضي وهو عدم النظر إلى الفعل على أنه خطأ ويحتاج إلى الغفران وعدم تحميل الفاعل مسؤولية الفعل، والنسيان، والعفو، والمصالحة. يعد أسلوب لوم النفس ومعاتبتها أمرا مفيدا في أغلب الأحيان، فهو يمنعنا من تكرار الخطأ ثم يأخذنا إلى مرحلة أخرى يتطلب فيها الأمر أن نقوم بمسامحة أنفسنا والآخرين، مسامحة النفس تعني في المقام الأول تقبلنا لأخطائنا واعترافنا بها وهذه الخطوة مهمة جدا لما سيأتي بعدها من خطوات. المسامحة هي العملية المتعمدة والطوعية التي من خلالها يخضع الشخص الذي قد يشعر في البداية بأنه ضحية لتغيير في المشاعر والموقف تجاه حادثة معينة، ويتغلب على المشاعر السلبية مثل الاستياء والانتقام. التسامح يعني استبدال المشاعر السلبية بالمواقف الإيجابية أي زيادة القدرة على التمني بالخير.

من منا لم يمر بأزمة المسامحة العظمى؟ عندما يقوم شخص ما، بإيذائنا فغالبا ما تؤثر علينا المشاعر السلبية، التي تأتي من الانتباه المستمر على ما لا نريد أي سنظل نفكر لم لا أستطيع مسامحته؟  لم فعل ذلك؟ أسئلة كثيرة تظل تجول في خاطرنا تدفعنا للتّفكير بالانتقام، إلا أن الغفران للذات أحيانا قد يعني أنك رفضت أن تدين نفسك بعد اعترافك بارتكاب الخطأ، خاصة إذا كان الخطأ الذي ارتكبته سيئا للغاية. إن التسامح مع النفس يعني بالضرورة الإعتراف بالضعف البشري وبأن الجميع، من دون استثناء، معرضون لارتكاب الخطأ. إن المغفرة في جوهرها تعني التصرف بعدالة مع أشخاص كانوا غير عادلين في حقنا، ومن منطلق هذا التناقض في الفكرة، إن مسامحة الشخص المذنب هي تحقيق للعدالة بحد ذاته؛ ذلك بتجنب إيقاع الظلم به حتى لا يعود إلى فعلته. ويمكن لبعض الناس أن يتغيروا، بصورة ما قد تعني بأنهم دفعوا ثمن أخطائهم وعادوا إلى رشدهم خاصة إذا كان الذنب عظيما، خطأ جسيم في حق الآخرين تسبب في أذى اجتماعي أو شرخ نفسي كبير.

إلا أن السؤال المنطقي يبقى قائماً، هل أن التغيير الشخصي والتراجع عن الخطأ يمكنهما محو قسوة الماضي؟ بالطبع لا، الماضي لايمكن أن يتغير، لهذا علينا بأن نتقبل فكرة الغفران للآخرين ومسامحتهم على أخطائهم في حقنا. ليس بغرض محاولة نسيان الألم بتغيير الماضي ومحو جروحه، بل كفعل ومحاولة لتغيير مشاعرنا السلبية تجاه هؤلاء الأشخاص وليس تجاه أفعالهم في الماضي وأخطائهم بحقنا. لا نستطيع إنكار بأنه عندما يؤذيك شخص تحبه فإن ذلك يغير في شخصيتك وطريقة تعاملك مع أي شخص يحاول أن يتقرب منك ويصعب عليك المسامحة والمغفرة بسهولة. يُبنى التسامح على عدّة مبادئ تُؤكّد ضرورة عدم التصرُّف بناء على رفض تصرُّف، أو مُعتقَد من قِبل شخص، وفي الوقت نفسه عدم التأثير في الأفكار. علينا الحكم بموضوعية وعقلانية على الأمور، التسامح الحقيقي هو قناعة الشخص بضرورة عدم التّصرّف بناءً على معارضته آراء الآخرين.

موسيقى حزينة، أيام مريرة، سنوات طويلة قضيناها نبحث عن حلمنا، هناك بعض القلق، وأتسائل كثيراً هل كان الله يخيرنا أم يختبرنا؟ نحن نقضي أيامنا نبحث عن مفرّ من أوهامنا ومن واقِعنا حتى نجد المستقر الذي نأوي به أنفسنا فحياتنا سفر ما بين الخيال والحاضر الذي نعيشه لا نعلم أين سنكون غداً؟ في جنة تأوينا؟ أم ناراً تحرقنا؟ نحن من نحدد مسارنا. نحن مَن نستطيع حماية مشاعرنا ممن يؤذينا. قصتنا اليوم عن فتاة عاشت في ظلم بين عائلتها التي لا تلقي لها بالاً و كأنها غير موجودة و إن ألقوا لها بالا يكون بالكلام الجارح والمهين وبالضرب الذي أدى إلى آلام نفسية تؤذيها وتؤذي من حولها. تعلمت القسوة، حقدها تعدى الحدود، كانت طالبة متفوقة لديها أحلام تفوق الخيال أنهت المرحلة الثانوية بنجاح باهر، لكنها لم تكن تعلم أن أبيها وأخيها سيجبرانها على الجلوس في البيت قسراً لانتظار من سيأتي على الحصان الأبيض طالباً يدها للزواج. بالفعل جاء أحدهم ووافقت عائلتها عليه دون الأخذ برأيها، أحست وقتها أنه لا فرار من هذا القرار لكن عليها المجازفة وقول رأيها للمرة الأولى. حاولوا إقناعها بالإجبار على أنه هذا الحل السليم لكنها لا تسمع غير نفسها، لا تأبه بالعواقب والتبعات لقرارها هذا بعدم التنازل عن حقها بالتعبير عن الرأي. مرت الأيام والليالي وقررت الزواج للهروب من حياتها علّها تجد خارج عائلتها الإحتواء الكافي لاخراجها من حالة البؤس والتعاسة اللاتي تسيطرن عليها. امتنعت عن زيارة أهلها أو بأي أحد يربطها بعائلتها أو ينقل اشتياق عائلتها لها لأنها لم تستطع مسامحتهم على أفعالهم بها، وفي أحد الأيام بينما كانت تذهب لعملها وصلها خبر وفاة والدها وأخيها إثر حادث سير لم تلقي بالا لما سمعت وذهبت للعمل وأكملت يومها و كأن شيئا لم يكن، وعند حلول الليل فكرت بالخبر الذي سمعته، محاولة السماح لمشاعرها بالتحرر والتعبير عما في داخلها. أثناء هذه التخبطات جال في بالها طفولتها وكيف كان أباها يعاملها كالأميرات في صغرها قبل أن تنضج، فكرة تذهب وأخرى تأتي صراعٌ كبير في داخلها. حاولت التفكير بأنها لو لم تسمح لغضبها السيطرة عليها ولو أنها استطاعت مسامحتهم قبل الآن لما شعرت بالذنب الكبير، بكت كثيرا وتمنت لو أنها تستطيع اللحظات التي أغلقت فيها الأبواب بوجههم دون السماح لهم بإصلاح خطئهم رغم محاولاتهم الكثيرة، وفي اليوم التالي أقامت لهم بيت عزاء وقامت بكل ما يلزم وبعد انقضاء أيام العزاء ظلت تذهب للمقبرة علها تشعر بأنهم قد غفروا لها. تعلمت حينها أنه يجب عليها التسامح حتى تشعر بالحب وحتى تصل للنقاء الداخلي.

أحياناً لا نسامح لأن غضبنا في وقت الغضب يكون أكبر من أن نتجاوزه. مع الوقت سنتناسى ورويدا رويدا سننسى، لهذا سامح مهما حييت لأنه قد يأتيك يوم تندم وحينها لن ينفعك الندم. نحن لا نستطيع إعادة أشخاص أصبحوا تحت التراب ليسمعوا منا أننا سامحناهم ويفرحوا. الجرح الكبير الذي يعلّم فينا، ويترك أثراً يجعلنا قادرين على فهم الحياة بشكل جيد عند تعلمنا منه ومن قدرتنا وطريقتنا على تخطيه. التسامح مهارة يمكنه تعلّمه وممارسته. للتسامح أثر طيّب في حياة المجتمع؛ الأشخاص الذينَ يُبدوونَ التسامح تجاه الآخرين من المحتمل أن يصبحَ حالهم أفضل من الأشخاص الأقلّ تسامُحاً. علينا إيجاد المرساة التي تجعل القلب راسخ مهما كانت العواصف.

سلامة القلوب من الضغينة والحقد والغلّ ومَشاعر الانتقام. يؤدي لانتشار المحبّة والسلام بين أفراد المجتمع كلّه، وتعزيز أواصر العلاقات بينهم لاتّقاء الأضرار والعداوات التي قد تنجم عن انتشار الإساءة بين الناس وهذا يؤدي لِترك فضيلة العفو والتسامح. الإحترام المتبادل هو الذي يؤكد أن الأخطاء قابلة للتسامح. التعاطف الإنساني يربطنا ببعضنا ليس بالشفقة أو بالتسامح، ولكن كبشر تعلموا كيفية تحويل المعاناة المشتركة إلى أمل للمستقبل. إما أن تسامح تماماً أو لا تسامح على الاطلاق. قليل من الإدراك السليم، وقليل من التسامح، وقليل من المرح، وسوف تندهش عندما ترى كيف استطعت أن تريح نفسك على سطح هذا الكوكب. تذكّر أن الضعيف لا يمكن أن يسامح، فالتسامح من صفات الأقوياء.

نوال مسعود