كيف بوسع الإمتنان أن يساعدنا على صنع الفرح؟

كيف بوسع الإمتنان أن يساعدنا على صنع الفرح؟

إن التحكم بعقول البشر هي إحدى الأدوات التي يسعى بعض النخبة والعلماء لها والتي تفسر جزء من تقولب هذا العالم، تسارعه ودورانه في متاهات أصبح البشر لا يدركون أهدافها ومساعيها. العالم اليوم يقسم نفسه إلى رابحين وخاسرين حيث ينطوي تحت كل من هذه المفاهيم مفاهيم أعمق ينشأمنها الإنسان على تقديس المادة وما يرى على حساب ما لا يرى. حاول العلماء أن يجعلوا المشاعر أطروحة قابلة للنقاش وجعلها جزءا من علم النفس المفسر كجزء لا ينفك يلازم أي إنسان. إذا استحضرنا هذه المفاهيم في حياتنا كان من السهل علينا وصولنا للهدف الأسمى ألا وهو السلام الأبدي بين أرواحنا وذواتنا دون تهميش لأي منهم. من أحد هذه المحاولات هو اختبارات نفسية أو عاطفية تساعد الإنسان على تسهيل مهمته في هذا الجانب.

واحد من هذه الاختبارات هو اختبار المشاعر من كتاب لمؤلفه ليونيل شرايفر ومحرره جوليان روثنشتاين حيث  يحاول معرفة الحالة النفسية للمتلقي من خلال بعض الصور المليئة بالسلوكيات لنفس الشخصية المكررة ومحاولة الإنسان فهم كل تصرف أو تحديد التصرفات التي يعتقد أنها تمثلهز يتبع كل صورة شرح للحالة النفسية لكل تصرف وشخصية مما قد يساعد الإنسان في فهم مصدر الشعور للذي مر به. يضم أقسام عديدة منها مثلا اختبارت للتصرفات المنزلية أو اختبار العلاقات الأسرية.

  • اختبار كم أنت عاطفي: يتأتى هذا الإختبار على محاولة معرفة كيف تستطيع التعبير عن مشاعرك. يستخدم هذا الإختبار من قبل علماء النفس وينطوي على عشرين سؤالا بعضها يمس جوانب حساسة جدا كالتعامل مع الشريك ومدى تقبل العيوب ثم تظهر النتيجة النهائية حسب تصرفاتك ومدى تحكمك بمشاعرك وقدرتك على إخفاءها وكيف تعبر أنت بدورك عنها. يظهر هذا الاختبار مدى حساسيتك أو مدى تأثرك لما يقال بناءا على تحليل المعلومات التي قدمتها.
  • اختبار النوع العاطفي الخاص بك: والذي يساعد الإنسان على فهم معطيات حياته وكيف أثرت هذه المعطيات في منعطفاته المهمة وتذكر الإنسان ببعض التصرفات ليراجع مدى توافقها مع الحياة العاطفية التي يريد. يتكون هذا الاختبارمن ثمانية عشر سؤالا لها خمس إجابات موحدة هي: صحيح جدا في كل الأحوال، أحيانا صحيح، صحيح باعتدال، صحيح قليلا وليس صحيحا البتة. تظهر نتائج هذا الإختبار على شكل نقاط تم إحرازها وتشير إلى النوع العاطفي والذي يقسمه هذا الإختبار إلى ثلاثة أنواع: إنسان رقيق جدا، متوسط وإنسان قاسي في جانبه العاطفي ومرفق معها الصفات الشخصية لكل نوع وكيف يتعامل مع الحالات التي يمر بها وميزاتها.

الفرح مفهوم عميق ينطوي على تجارب شخصية وعلى معان عديدة لكن أيمكن أن تكون حساسا لما حولك، تقدر ما يدور وتكون ممتنا للصغائر التي لا ترى وتصنع منها سعادتك. يذكر لي أحد الأصدقاء قصة له مع شخص بسيط يعمل كرجل نظافة في الحي الذي يقطن به. يستيقظ هذا الرجل ممتنا لله على تجديد خلقه وحقه في الحياة. ويخرج بعدها مبتهلا مبتسما إلى الخارج وهو يردد تلك العبارات -التي يظن من سمعها أن هذا الرجل ملك العالم- مرتديا لباس عمله الذي يشكر الله عليه ويبدأ عمله مبتسما لكل من مر أمامه راجيا الله أن يرزقه ويبارك في صحته. يروي هذا الصديق عن اليوم الذي أتيح له شرب كأس من الشاي على أحد أرصفة الحي برفقة الرجل العظيم ويصف لي الجلسة وتبدأ الإبتسامة ترتسم على محياه شيئا فشيئا  فيقول: لم أر في حياتي رجلا يغمر الرضى قلبه كهذا، لكِ أن تتخيلي كم الأشياء التي يبدو ممتنا لها، يقدرها ويذكرها كأنما ملك العالم. استطعت فهم كل هذا وقدرته على تجديد فرحه بأشياء تعد بديهية لأكثرنا. لكن، ما لم أستطع فهمه هو جملة صدمتني وهو في خضم سرد موقفه وقد قال: أتعلمين أن هذا الرجل ممتن لغبار الطرق وأوراقه المتناثرة بين الفناء والآخر! بعد أن غزت ملامح لصدمة محياي وقد لاحظها، أكمل قائلا إنه يرى عمله نعمة أنقذته وساعدته ليكمل رسالته لتي وجد لأجلها. وأن هذه الأوساخ التي لا تعجبك ما هي إلا مصدرا لرزقه والتي لولاها، ما كان سيكن لوجوده داع.

كان باستطاعة ردات فعلنا أن تكون مشابهة لردات هذا الرجل لو هذبنا أنفسنا وعلمناها كيف تصنع سعادتها لا أن تنتظرها وأن نرى في كل ظروفنا منحة نجتاز بها الأيام بلا لوم على أنفسنا وفهم أكبر لها. هذا تماما ما حاول بولتشيك تجسيده في عجلته، محاولا جعلنا نفهم الأسس التي نشأت لأجلها ردات أفعالنا وفقا لمشاعرنا التي قسمها لستة مشاعر أساسية وقسم كل شعور إلى ستة جذور نفسية وكل جذر إلى تصرفات. وربط هذه الأسس بألوان الطيف تتدرج وفقا للشعور لتدل عليه وعلى جذوره ومصادره. لو عدنا لعجلة بولتشيك للمشاعر والجذور النفسية لشعور الفرح، وفقا لبولتشيك فإن هذا الشعور له ستة جذور نفسية هي الحماس، النشاط، السعادة، الإبداع، الثقة والحساسية. كل من هذه المشاعر له جذران نفسيان تظهر تصرفات معينة على المرء تدل على شعوره. مثلا الإنسان الحساس يصنع فرحه بامتنانه لما حوله وشغفه بكل ما يظهر أمامه.

هناك علامات تدل على حساسية هذا الشخص لكل ما يدور حوله وقدرته على رؤية النصف الممتلئ من الكأس أهمها أن تشعر بكل ما يقال حولك، القدرة على ملاحظة التفاصيل والاهتمام بها، الوقت الطويل لاتخاذ القرار، إنسان مهذب الروح ويتمتع بأخلاق عالية، التفاعل مع أدق الأحداث بصورة أكبر من باقي الأشخاص، سرعة البديهة، القدرة على ملاحظة مشاعر الآخرين والتعاطف معهم، يكره الضوضاء والأصوات العالية، يستمتع بكل الألوان بلا استثناء مع قدرته على اختيار لون محدد بدرجة لونية معينة ليكون المفضل له ويأخذ هذا الشخص كل أمور حياته على محمل الجدية كمسارات يمكنها أن تغير ويجتاز بها أيامه.

في عام 1984 صور جورج أورويل مخاطر عالم بلا عاطفة ومخاطر قمع الإنسان لمشاعره وسكوته في كل الأحوال. ماذا لو سمحت لنفسك بالتوقف عن إخفاء ما شعرت به وسمحت لعواطفك بالعمل جنبا إلى جنب مع الصفات الأخرى التي تمتلكها؟. إن الفهم الغير واعي لموروثات لم تدرس ونقلت أياما بعد أيام تحملها الأجيال كرباط لا ينفك أن تفكر به جعل من مشاعرنا محطات لم نفهمها. مع ذلك فإن طور الوعي بارتفاع دائم وبصورة متزايدة ومغايرة لما كن عليه في السابق. اليوم نحن فقط بحاجة إلى أن ندرك ذواتنا لا نعلو عليها وأن نسمو به لا نحتقرها أو نهمشها لتعلوا بنا هي الأخرى ويسنى لنا الفهم الكامل لأنفسنا وما يدور حولنا. اسمح لنفسك أن تأخذ نفسا من ركضها الطويل في معتركات الحياة ومادياتها وأن تتوقف قليلا لتنظر بعين المشاهد على ما تقوم به. أن تلاحظ كل التصرفات التي تقوم بها وتجلس مع نفسك مطولا لصنع الفرص منها ومراجعة تصرفاتك لتقويمها لا لزجرها. عالمنا مليء بما يمكن أن يحزننا ولا أحد سيحمل السعادة على كتفه ليهديك إياها. اعمل جاهدا على خلق فرص سعادتك بنفسك لا انتظارها.

مريم رمزي